الأرض تهتز في عالم يزداد سخونة.. ما الجديد في علاقة المناخ بتزايد وتيرة الزلازل؟


مروة بدوي
الثلاثاء 25 اغسطس 2026 | 02:05 مساءً

خلال أشهر قليلة، شهد العالم سلسلة من الزلازل التي لفتت الانتباه بتقاربها الزمني واختلاف مواقعها، من فنزويلا والفلبين مروراً بمصر والمكسيك وكولومبيا إلى زلزال إندونيسيا الأخير، الذي أعقبته مئات الهزات الارتدادية.

تتابع هذه الهزّات، وسرعة وصول صورها وأخبارها إلى العالم، قد يجعل المشهد يبدو وكأن الأرض تهتز بوتيرة غير معتادة. فهل تشير هذه الأحداث إلى تغير في النشاط الزلزالي العالمي؟

زيادة فعلية في الزلازل أم مجرد مبالغة؟

يُعدّ الارتفاع المؤقت في النشاط الزلزالي جزءاً من التذبذب الطبيعي لمعدلات الزلازل.

ويسجل مركز معلومات الزلازل الوطني (NEIC) نحو 20 ألف زلزال حول العالم سنوياً، معظمها ضعيف لا يشعر به البشر؛ لكن نتيجةً لزيادة عدد أجهزة الرصد الزلزالي وتطور الاتصالات وتزايد الاهتمام بالكوارث الطبيعية، أصبح الجمهور اليوم يتعرف على الزلازل بسرعة أكبر من الماضي.

أما بالنسبة للزلازل القوية المسؤولة عن وقوع الكوارث الإنسانية، توضح السجلات الزلزالية طويلة المدى التي تعتمد عليها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) أنه يُتوقع في المتوسط حدوث نحو 16 زلزالاً كبيراً بقوة 7 درجات أو أكثر كل عام.

ماذا حدث في 2026؟

حتى 20 أغسطس الجاري، تشير بيانات موقع Volcano Discovery إلى تسجيل 11 زلزالاً فقط بقوة 7 درجات أو أكثر، مما يعني أن وتيرة الزلازل القوية في 2026 لا تزال ضمن نطاق التذبذب الطبيعي للنشاط الزلزالي.

في الوقت ذاته، يظهر عند تحليل السجلات الزلزالية طويلة المدى أن العالم تجاوز متوسط عدد الزلازل الكبيرة نحو 12 مرة خلال الخمسين عامًا الماضية، وكان عام 2010 الأعلى بتسجيل 23 زلزالًا بقوة 7 درجات فأكثر، مما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين التغيرات المناخية والزلازل.

الزلازل والتغير المناخي والأنشطة البشرية.. ما العلاقة؟

تحدث الزلازل الكبرى أساساً نتيجة حركة الصفائح التكتونية وتراكم الإجهاد على الصدوع، لكن العلماء استطاعوا رصد بعض الروابط المحلية بين تغيرات المناخ والنشاط الزلزالي.

على سبيل المثال، يخفف ذوبان الثلوج والأنهار الجليدية الضغطَ عن القشرة الأرضية، ويمكن لمياه الذوبان المتسربة إلى الأعماق أن تغير ضغط السوائل داخل الصخور والصدوع.

ووفق دراسة أوروبية نُشرت عام 2025، وجد باحثون ارتباطاً بين ذوبان الجليد وزيادة النشاط الزلزالي الموسمي في منطقة مون بلان في جبال الألب بين فرنسا وإيطاليا، إذ تسبب تسرب مياه الذوبان إلى باطن الأرض في تغير ضغط المسام وتحفيز هزات صغيرة على صدوع موجودة أصلاً.

وفيما يتعلق بالأنشطة البشرية، فثمة علاقة واضحة بينها وبين النشاط الزلزالي، تتمثل في الزلازل المستحثة، أي الزلازل التي يسببها أو يُحفّزها النشاط البشري، وليست ناتجة عن الحركة الطبيعية للصفائح التكتونية وحدها.

وتحدث عادةً عندما تؤدي بعض الأنشطة البشرية، مثل حقن السوائل في باطن الأرض، أو ملء السدود الكبيرة، أو التعدين، إلى تغيير الضغوط على الصدوع الموجودة، مما قد يحفز انزلاقها ويُحدث هزة أرضية، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS).

وفي وسط الولايات المتحدة، ارتفع متوسط الزلازل بقوة 3 درجات فأكثر من 24 زلزالاً سنوياً خلال الفترة 1973-2008، إلى 193 زلزالًا سنويًا خلال 2009-2014. وارتبطت هذه الزيادة في مناطق عدة بحقن المياه المستعملة الناتجة عن عمليات استخراج النفط والغاز، غير أن معظم هذه الزلازل تظل صغيرة إلى متوسطة وليست مسؤولة عن الزلازل التكتونية الكبرى.

تداخل المخاطر الجيولوجية والمناخية

لا ينتهي خطر الزلزال مع توقف الهزة الأرضية؛ إذ يمكن أن يسبب انهيارات أرضية وتسييل التربة وتسونامي، وقد تبدأ بعده سلسلة من المخاطر المتتابعة، منها منحدرات ورواسب أكثر هشاشة أمام الأحداث المناخية اللاحقة.

وهكذا يمكن أن تتداخل المخاطر الجيولوجية والمناخية في سلسلة واحدة، إذ يمكن للأمطار الغزيرة أن تعيد تحريك الرواسب الهشة وتسبب تدفقات من الحطام أو فيضانات.

وفي المناطق الساحلية، يمكن لارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد تعرض السكان والبنية التحتية للمخاطر الساحلية أن يزيد من حجم الخسائر المحتملة الناجمة عن الزلازل والتسونامي.

ربما لا يجعل تغيرُ المناخ الأرضَ أكثر تعرضًا للنشاط الزلزالي، لكنه قد يغير البيئة التي تقع فيها الكارثة، ويزيد بعض المخاطر التي تأتي بعدها، مما يجعل إدارة المخاطر المتعددة أكثر أهمية.

وأخيرًا، لا يكفي أن تستعد المدن للهزة الأولى فقط؛ فالتخطيط العمراني، والبنية التحتية القادرة على الصمود، وخرائط المخاطر، وأنظمة الإنذار والاستجابة، والاستعداد للمخاطر المتتابعة، كلها عناصر ضرورية تقلل من فرص تحول الزلزال من حدث طبيعي إلى كارثة واسعة.