يمتلك كل جيل أبطاله، الذين يجسدون أحلامه وآماله، ولطالما رسمت السينما والأنمي صورة البطل على أنه من أصحاب القوى الخارقة، يحاول حماية مدينته من أشرار يهددون بالسيطرة عليها.. فهل مازال العالم يحتاج إلى أبطال خارقين؟
في عصر تغير المناخ، ربما لم تعد الأرض بحاجة إلى قوى استثنائية، بقدر حاجتها إلى قائد بيئي يتعلم كيف يستخدم المعرفة والعمل الجماعي لصناعة أثر حقيقي، ويحول الأفكار إلى حلول قابلة للتنفيذ.
من هنا تأتي فكرة النسخة الأولى من المخيم الصيفي، الذي ينظمه المجلس العربي للطفولة والتنمية، بعنوان "أبطال الأرض" ليقدم تجربة عملية لتمكين أبطال جيل ألفا للمشاركة في بناء قيادة بيئية عربية شابة، قادرة على فهم التحديات المناخية والعمل على مواجهتها، في ظل تزايد الضغوط البيئية داخل العالم العربي.
صورة تعبيرية
مشروع أبطال الأرض.. من بطل اليوم إلى قائد الغد
يجمع المشروع 30 يافعاً ويافعة، تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عامًا، إلى جانب خمسة ميسرين يقيمون مع المجموعة طوال مدة البرنامج، في مخيم سكني خلال الفترة من 24 إلى 27 من شهر أغسطس الحالي في منطقة العين السخنة، على سواحل البحر الأحمر المصرية.
المشروع يحوّل فكرة المخيم الترفيهي التقليدي إلى تجربة تجمع بين المعرفة البيئية والتعلم الميداني والتجريب العلمي والعمل الجماعي.
ولا يقف المشروع عند ربط اليافعين بالبيئة، بل يراهن عليهم باعتبارهم قادة بيئيين محتملين سيكون لهم دور في تشكيل مستقبل قضايا البيئة والمناخ، لذلك يوفر لهم مسارًا يمكّنهم من ممارسة أدوار قيادية فعلية، بدءًا من قيادة فرق ميدانية صغيرة، مرورًا بتمثيل مجموعاتهم في النقاشات والعروض أمام لجان متخصصة، واتخاذ القرارات، وصولًا إلى المساهمة في متابعة وتنفيذ مبادراتهم بعد انتهاء المخيم.
برنامج أبطال الأرض.. حين تتحول الفكرة إلى تجربة
لا يتعامل المشروع مع البيئة باعتبارها مجموعة من المعلومات التي ينبغي حفظها، بل يحولها إلى أسئلة وتجارب يمكن لليافعين ملاحظتها واختبارها بأنفسهم، بما يناسب أعمارهم ويثير فضولهم:
- من أين تأتي المياه؟
- ماذا يحدث للمخلفات بعد استخدامها؟
- لماذا تكون بعض الأماكن أكثر حرارة من غيرها؟
- كيف يمكن حماية التنوع الحيوي وتحويل المعرفة إلى مبادرة؟
ولهذا يدور البرنامج حول أربعة محاور رئيسية تمس الحياة اليومية في مصر والمنطقة العربية: المياه والسواحل، المخلفات والبلاستيك، الحرارة والتكيف، والتنوع الحيوي الساحلي والعمل المجتمعي.
كما يتعلم المشاركون من خلال أنشطة عملية، تشمل مراقبة البيئة الساحلية، وتجارب مبسطة، وتحليل المخلفات، وقياس حرارة الأسطح، ورسم خرائط للحرارة والظل، وتصميم حلول ومبادرات جماعية.
وتمثل هذه النسخة الانطلاقة الأولى لمسار يعتزم المجلس تطويره وتكراره لاحقًا في محافظات وبلدان عربية مختلفة، لتصبح تجربة "أبطال الأرض" بداية لمسار أوسع لبناء قيادة بيئية عربية شابة.
لماذا نحتاج "أبطال الأرض" في عالمنا العربي؟
تواجه منطقتنا ضغوطًا بيئية ومناخية متزايدة؛ من ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، إلى تلوث الهواء والبحار وتراكم المخلفات وتدهور النظم البيئية.
وتكشف الأرقام حجم التحدي: 19 دولة عربية تقع تحت عتبة ندرة المياه، فيما تعاني 13 دولة منها ندرة مائية مطلقة، وفق بيانات أممية.
بينما يتحول إقليم البحر المتوسط إلى بؤرة مناخية ساخنة، حيث ترتفع درجة حرارة المياه بمعدل يفوق المتوسط العالمي بنحو 20%، مع زيادة المخاطر على المجتمعات والموارد المائية.
غير أن التحدي لا يتعلق بحجم الأزمة فقط، بل بكيفية الاستعداد لها، وهنا تبرز أهمية مشروع أبطال الأرض من أجل ربط اليافعين ببيئتهم مبكرًا وتزويدهم بالأدوات التي تمكنهم من فهم ما يحدث حولهم، والمشاركة في البحث عن الحلول، والعمل مع الآخرين لصنعها.
جيل ألفا.. الجيل الذي يرث عالمًا أكثر احترارًا
بالنسبة لليافعين المشاركين في "أبطال الأرض"، فإن التغير المناخي ليس قضية بعيدة تخص المستقبل، إنه جزء من العالم الذي يكبرون فيه.
تشير اليونيسف إلى تعرض جميع الأطفال حالياً، لواحد على الأقل من المخاطر المناخية، من بينها الفيضانات الساحلية، والجفاف، والحرارة الشديدة، بينما يواجه نحو نصف أطفال العالم، أي 1.1 مليار طفل، خطر ثلاثة مخاطر مناخية متداخلة على الأقل، مما يهدد صحتهم وتعليمهم وبقاءهم.
فإذا كان هذا الجيل يعيش جزءًا كبيرًا من حياته في عالم أكثر تأثرًا بالحرارة وشح المياه والظواهر المناخية المتطرفة، فإن إعداده لا ينبغي أن يقتصر على المعرفة النظرية للمشكلة، بل يجب أن يشمل القدرة على التفكير والاستعداد وصياغة الحلول، وهو ما يمثل جوهر برنامج أبطال الأرض.
من YEDx إلى أبطال الأرض.. خطوة أخرى نحو التأثير
قبل أيام من انطلاق "أبطال الأرض"، فتح المجلس العربي للطفولة والتنمية مساحة أخرى لسماع أصوات الشباب في القضايا البيئية، من خلال YEDx Egypt، أول نسخة عربية من حوارات YEDx البيئية في القاهرة، بالتزامن مع اليوم الدولي للشباب.
كان السؤال في YEDx يتجاوز مجرد رفع الوعي: كيف يمكن أن ينتقل الشباب من التعبير عن قضاياهم البيئية إلى المشاركة والتأثير في صناعة القرار؟
ويأتي "أبطال الأرض" ليقدم مشروعاً مختلفاً لبناء القدرات والمهارات التي تؤهل اليافعين للمشاركة والقيادة البيئية في هذه المرحلة السنية المبكرة، لأن القائد البيئي لا يُصنع عندما يصل إلى موقع القيادة، بل يبدأ بناؤه منذ الصغر عندما يحصل على فرصة حقيقية ليكون جزءًا من الحل.