خلال الحفل الافتتاحي لكأس العالم في تورونتو، وقف الموسيقي ويليام برينس، الذي ينتمي الى واحدة من أكبر القبائل الأصلية في كندا، وسط رقصات وطقوس مستوحاة من تراث السكان الاوائل، مشهد وصفته منصة” Sport Canada" بالملهم.
ظلت هذه الشعوب في الظل لقرون، واليوم تعود لترحب بالعالم على أرضها خلال أكبر بطولة كروية في التاريخ، فلماذا أصبح إبراز حضور المجتمعات الأصلية الآن أمراً ضرورياً؟ وهل يتجاوز الأمر مجرد احتفال ثقافي إلى رسالة بيئية أعمق؟
من هم السكان الأصليون ودورهم البيئي؟
تعرضت الشعوب الأصلية لظلم إنساني على مدار فترات طويلة، لكنها رغم ذلك نجحت في التمسك بهويتها.
تنتشر مئات من المجموعات الأصلية في أكثر من 90 دولة حول العالم، ولا يزالون يعيشون على أراضيهم التقليدية، محافظين على معرفة متوارثة لآلاف السنين في إدارة الأرض والموارد الطبيعية.
ووفقاً للأمم المتحدة، تمثل الشعوب الأصلية 6% فقط من سكان الأرض، لكنهم يستوطنون 28% من مساحة اليابسة، والأهم: تضم أراضيهم 80% من التنوع البيولوجي العالمي، و11% من غابات الأرض، وهذا ليس صدفة، إنه نتيجة مباشرة لأنظمة إدارة بيئية متراكمة عبر أجيال
يعتبر السكان الأصليون الأقلية التي تقود العمل المناخي دون تراجع أو تردد، مستندين إلى تاريخ طويل من الارتباط بالأرض حيث يُشار إليهم غالبًا كـ'أوصياء الكوكب' من قبل قادة الأمم المتحدة للمناخ
ولا يقف نضالهم البيئي على الحلول القائمة على الطبيعة التي تتقنها الشعوب الأصلية، والنهج المستدام في الاقتصاد والزراعة، ومعرفتهم التقليدية التي تساهم في حفظ الكربون ومقاومة الاحترار العالمي
لكن هذا النضال يمتد أيضاً إلى ساحات المحاكم ودخولهم في معارك قانونية من أجل الدفاع عن غابات الأمازون التي تمثل رئة الأرض، على غرار ما فعل شعب "الوارواني" عام 2019، عندما خصصت الحكومة الإكوادورية أراضي السكان الأصليين لشركات عملاقة لتخفيف ديونها الدولية.
المجتمعات الأصلية والمونديال : أربعة مواقف تضعهم في قلب الحدث
تعتبر حماية حقوق السكان الأصليين جزءاً من حماية النظم البيئية التي يعتمد عليها استقرار المناخ العالمي، ولذلك عودة السكان الأصليين إلى المشهد مع مونديال 2026 ليست فقط قصة ضحايا يستحقون رد الاعتبار، بل هي قصة خبراء بيئيين يحاولون الحفاظ على شباك كوكب الأرض نظيفا من أي هدف مدمر قد يحرزه التغير المناخي.
استراتيجية الاتحاد الدولي لكرة القدم
أعلنت الفيفا أن استراتيجية حقوق الإنسان والاستدامة لمونديال 2026 تتضمن التزامات صريحة بإشراك الشعوب الأصلية وحماية حقوقها والاحتفاء بثقافتها.
أطلقت الفيفا شراكة مع حملة "Unite for Indigenous Peoples" بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بهدف توظيف كرة القدم كـ"قوة موحدة للدفاع عن حقوق المجتمعات الأصلية"
أما على مستوى الدول المضيفة:
كندا
تقود كندا عدد من المبادرات لضمان إشراك أصوات السكان الأصليين في تجربة المونديال، كما أعلنت الجهات المنظمة ان جميع مباريات كندا تقام على أراض تقليدية لقبائل أصلية
أطلقت منظمة "Indigenous Tourism BC "، التي يقودها السكان الأصليون بكندا، مبادرة لتقديم أنشطة وفعاليات وتجارب ثقافية فريدة تشجع السياحة المستدامة داخل المجتمعات الأصلية.
الولايات المتحدة
في مدينة سياتل، أصبحت قبيلة بويالوب أول راعٍ رسمي من السكان الأصليين لمدينة مضيفة في كأس العالم، سابقة لم تحدث في تاريخ البطولة
وتعمل قبيلة بويالوب ولجنة سياتل المُضيفة على الاستفادة من الأضواء العالمية لكأس العالم لتسليط الضوء على مشاريع القبيلة.
المكسيك
يستضيف ملعب غوادالاخارا أربع مباريات في رحلة المونديال بالمكسيك، منطقة غوادالاخارا وحدها تحتضن 68 شعباً أصلياً معترفاً به رسمياً
قبل البطولة، أطلقت مدينة غوادالاخارا مجموعات عمل لضمان مشاركة الشعوب الأصلية في القرارات وتمكينهم من التعبير عن مخاوفهم وتوقعاتهم بشأن دور المكسيك كدولة مضيفة للمونديال.
قد يرى البعض أن إشراك السكان الأصليين في المونديال يكرم ثقافتهم ويمنحهم فرصًا اقتصادية، لكن الحقيقة أعمق: الفرصة الحقيقية هي لنا جميعاً.
نحن سكان الكوكب الأزرق الذي يواجه أزمة مناخية تتفاقم يومًا بعد يوم.. الشعوب الأصلية التي تفتح أبواب أراضيها لجماهير كأس العالم اليوم، هي نفسها من تحاول إغلاق الأبواب أمام كوارث الانهيار المناخي ، سواء عبر الحلول المستدامة الموروثة عن أجدادهم، أو من خلال معاركها القانونية ضد مشاريع الاستغلال البيئي.
وربما يكون المونديال فرصتنا لاكتشاف قصص الشعوب الأصلية، والتعلم من معارفهم البيئية المتوارثة التي أثبتت قدرتها على حماية الطبيعة عبر قرون.