الحر القادم من الصحراء.. لماذا أصبحت أوروبا أكثر سخونة من بقية العالم؟


مروة بدوي
الثلاثاء 30 يونية 2026 | 03:11 مساءً

في شوارع باريس ومدريد وبرلين، تحولت الأيام إلى كابوس حارق،تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية، محطات القطارات تتوقف والمدارس تغلق أبوابها والمستشفيات تستعد لموجة من حالات الإجهاد الحراري.

خلال الأسابيع الأخيرة من يونيو 2026، اجتاحت موجة حر شديدة غرب ووسط أوروبا، مسجلة أرقاماً قياسية جديدة ،وتشير التقارير الأولية إلى ارتفاع حالات الوفيات المرتبطة بالحر، بينما حذرت السلطات ملايين المواطنين من مخاطر التعرض للشمس.

والتساؤل الذي يفرض نفسه الآن .. كوكب الأرض عامة أصبح أكثر احترارا مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية.. فلماذا القارة العجوز هي الأكثر سخونة؟

لماذا تسخن أوروبا أسرع من بقية العالم؟

ارتفع متوسط درجة الحرارة في العالم بحوالي 1.4 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، بينما ارتفع متوسط درجة الحرارة في أوروبا بحوالي 2.5 درجة مئوية، وفقا لتقرير نشره موقع" أر تي إي " اعتمادا على بيانات مرصد كوبرنيكوس الأوروبي لتغير المناخ.

هذا الفرق أو الفجوة في درجات الحرارة يكشف عن واقع خطير؛ تشهد أوروبا ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يزيد عن ضعف المتوسط ​​العالمي، مما يجعلها أسرع قارات العالم احترارًا.

يرجع التقرير هذه السرعة في الاحترار إلى عدة عوامل:

أولاً الموقع الجغرافي

ترتبط أوروبا بالقطب الشمالي، الذي ترتفع درجة حرارته بمقدار 3.2 درجة مئوية مقارنة بما قبل الثورة الصناعية، ويؤدي ذوبان الجليد إلى الكشف عن الأرض الداكنة التي تمتص الحرارة أكثر، على عكس الثلوج التي تعكس جزءاً كبيرًا من حرارة الشمس إلى الفضاء

ثانياً انخفاض التلوث بالجسيمات الهوائية

ساهمت السياسات البيئية الأوروبية الصارمة في خفض انبعاثات الهباء الجوي منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكن معالجة هذا التلوث كان لها أثر جانبي زاد من ظاهرة الاحتباس الحراري، إذ تحجب هذه الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء جزءاً من أشعة الشمس

ثالثاً تغير أنماط الطقس

أدت التحولات في دوران الغلاف الجوي إلى زيادة تواتر وشدة موجات الحر في فصل الصيف الأوروبي، وأوضح البروفيسور كارلو بونتيمبو، مدير خدمة كوبرنيكوس، أن أنظمة الضغط الجوي المرتفع، التي يصاحبها ارتفاعًا في درجات الحرارة، أصبحت أكثر شيوعًا في أوروبا.

رابعا البنية التحتية الأوروبية

صممت للطقس البارد، غالباً ما تستخدم المنازل حجراً سميكاً، عزل حراري كثيف يحافظ على دفء المنزل خلال فصل الشتاء، لكنه يحبس الحرارة خلال فصل الصيف، ولا يزال تكييف الهواء المنزلي غير شائع في العديد من الدول الأوروبية لأن موجات الحر الشديدة لفترات طويلة كانت نادرة تاريخيًا.

كتلة أوميغا".. والحرارة القادمة من الصحراء”

ضربت أوروبا الشهر الماضي موجة حر قوية ناتجة عن "قبة حرارية"، وهي نظام ضغط مرتفع يستقر فوق منطقة معينة ويعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن.

أما موجة الحر التي تشهدها أوروبا حاليا تعود إلى نمط جوي يُعرف بـ"كتلة أوميغا" يأتي من الصحراء الكبرى، ويوضح سيباستيان لياس، الخبير الجوي في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، لوكالة فرانس برس، إن الكتلة الهائلة من الهواء الساخن القادمة من شمال إفريقيا تشبه القبة الحرارية، لكنها أكثر ديناميكية.

تسحب كتلة أوميغا الهواء الساخن والجاف من شمال أفريقيا والصحراء الكبرى نحو أوروبا ثم تحتجزه فوقها، حيث تعمل الجبهة الهوائية الباردة قبالة سواحل البرتغال كمضخة حرارية تسحب هذا الهواء الساخن وعلى ارتفاعات عالية تُمارس أنظمة الضغط المرتفع ضغطًا على هذه الكتلة الهوائية الحارة فتزيد سخونتها وتحبسها فوق القارة الأوروبية.

يعني هذا أن منطقة الصحراء الكبرى ليست بعيدة عن أزمة أوروبا؛ بل هي مصدر مباشر للهواء الحار الذي وصل إلى فرنسا وبريطانيا، كما تسبب الغبار الصحراوي الذي حملته الرياح إلى بعض المناطق الأوروبية في حدوث ظاهرة تعرف إعلاميًا بـ"الأمطار الدموية" عند اختلاط الغبار الأحمر بمياه المطر، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.

يُفاقم تغير المناخ هذه الظواهر الجوية حيث يجعل موجات الحر أشد قسوة بسبب الاحتباس الحراري، ومع تسارع وتيرة التغير المناخي والتقلبات المفاجئة أصبحت هذه الموجات أكثر عنفًا وتكراراً وتستمر لمدة زمنية أطول، مع زيادة مخاطر حرائق غابات والتسبب في حالات طوارئ صحية.

واخيراً، أزمة القارة العجوز اليوم ليست حدثاً منعزلاً ، بل إنذار عالمي.. التغير المناخي لا يعترف بالحدود الجغرافية، وبالتالي يصبح التكيف وخفض الانبعاثات وتطوير حلول مستدامة في العالم كله ضرورة وجودية ومسؤولية مشتركة بين الجميع.