من حقول الهند إلى وقود الطهي في إفريقيا.. جائزة الأمير طلال ترسم خريطة جديدة للطاقة النظيفة


مروة بدوي
الاثنين 06 يوليو 2026 | 09:49 صباحاً

في عالم يتحدث كثيراً عن الطاقة النظيفة، لا يزال ملايين البشر بعيدين عنها.

مضخات الري الشمسي ظلت حلماً بعيداً عن صغار المزارعين في قرى ريفية بالهند، ليس لأن الشمس غائبة، بل لأن تكلفة الأنظمة كانت أعلى من قدرتهم، لذلك بقي كثيرون أسرى مضخات الديزل؛ يدفعون ثمن الوقود، ويدفع الكوكب ثمن الانبعاثات.

ثم جاءت شركة "أورجا لحلول التنمية" بفكرة بسيطة: لا تشترِ النظام كاملاً استخدمه عند الحاجة وادفع مقابل الاستخدام.

بهذا النموذج، أصبحت الطاقة الشمسية أقرب إلى المزارعين، وارتفعت الإنتاجية، وتراجعت انبعاثات غازات الدفيئة، حل يبدو صغيراً، لكن كبير في أثره.

هذه هي الفلسفة التي احتفت بها جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية لعام 2025، حين كرمت أربعة مشروعات من الهند ونيجيريا وميانمار وكينيا والصومال، تحت مظلة الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة.

أربعة حلول وسؤال واحد: كيف تصل الطاقة النظيفة إلى من يحتاجها؟

أُعلن عن الفائزين خلال الاجتماع السابع والعشرين للجنة الجائزة، الذي عُقد في مقر برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند" في الرياض، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن طلال آل سعود، رئيس برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند" ورئيس لجنة الجائزة.

وشهد الاجتماع حضور جلالة الملكة صوفيا، عضو لجنة الجائزة والرئيس التنفيذي لمؤسسة الملكة صوفيا الخيرية، إلى جانب ميرسيدس مينافرا، السيدة الأولى سابقاً لجمهورية الأوروجواي، والدكتور يوسف سيد عبد الله، المدير العام السابق لصندوق أوبك للتنمية الدولية.

وخلال الاجتماع، أكد سمو الأمير عبد العزيز بن طلال أن الجائزة تسلط الضوء على المشروعات المميزة القابلة للاستنساخ في مجتمعات أخرى، وتعكس الحراك المجتمعي التنموي، خصوصاً في الدول الأقل حظاً، داعياً الشباب والشابات إلى المشاركة وترشيح المشروعات المميزة في النسخة المقبلة من الجائزة.

بلغت قيمة الجائزة هذا العام مليون دولار أمريكي، وجرى اختيار الفائزين من بين 160 مشروعاً مرشحاً، تأهل منها 64 مشروعاً مستوفياً للشروط إلى مرحلة التحكيم.

ميانمار: حين تلتقي المياه بالتكيف المناخي

في ميانمار، فاز مشروع "أنظمة إمدادات المياه المجتمعية القادرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ"، الذي نفذته منظمة اليونيسيف، بجائزة الفرع الأول المخصص للمنظمات الأممية والدولية والإقليمية، بقيمة 400 ألف دولار.

يعالج المشروع تقاطعاً حيوياً بين أمن المياه والتكيف المناخي، في مجتمعات تحتاج إلى بنية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، لا مجرد حلول مؤقتة.

كينيا والصومال: الطاقة في قلب الصمود المجتمعي

حصدت منظمة المساعدة للسلام والتنمية في كينيا والصومال جائزة الفرع الثاني، المخصص للجمعيات الأهلية الوطنية، بقيمة 300 ألف دولار.

وجاء الفوز عن مشروع "بناء القدرات والهياكل لتحقيق الأمن الغذائي المستدام وإدارة النزاعات المجتمعية، بما يعزز قدرة النازحين داخلياً المتأثرين بالنزاعات والمجتمعات المستضيفة من الرعاة والمزارعين على الصمود".

هنا لا تبدو الطاقة مجرد خدمة، بل جزءاً من معادلة أوسع: الأمن الغذائي، إدارة النزاعات، ودعم المجتمعات المتأثرة بالنزوح والصراعات.

نيجيريا: عندما تتحول النفايات إلى وقود

فاز مشروع "Bio-360" في نيجيريا، بجائزة الفرع الثالث، المخصص للجهات الحكومية والوزارات والمؤسسات العامة ومؤسسات الأعمال الاجتماعية ومؤسسات القطاع الخاص الموجهة لدعم القطاع الاجتماعي، بقيمة 200 ألف دولار.

المشروع الذي طورته مختبرات دي-أوليفيت، يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحويل النفايات إلى وقود حيوي، في نموذج يجمع بين التكنولوجيا الحديثة ومعالجة أزمة النفايات وتوفير بدائل للطاقة.

إنه مثال واضح على أن النفايات ليست نهاية القصة دائماً؛ أحياناً يمكن أن تكون بداية حل جديد.

الهند: الشمس في خدمة صغار المزارعين

في الهند، ذهبت جائزة الفرع الرابع، المخصصة للمشروعات الفردية، بقيمة 100 ألف دولار، إلى شركة "أورجا لحلول التنمية الهندية الخاصة المحدودة".

وجاء الفوز عن مشروع "توسيع خدمات الري بالطاقة الشمسية والاستشارات الزراعية الذكية مناخياً لتحسين سبل عيش صغار المزارعين".

أهمية المشروع لا تكمن فقط في استخدام الطاقة الشمسية، بل في كسر الحاجز الاقتصادي الذي كان يمنع المزارعين من الوصول إليها. فبدل شراء أنظمة مكلفة، يتيح النموذج استخدام خدمات الري بالطاقة الشمسية بنظام الدفع مقابل الاستخدام، مع دعم المزارعين باستشارات زراعية ذكية مناخياً.

طاقة نظيفة.. بعدالة أكبر

ما يجمع هذه المشروعات ليس الموقع الجغرافي، ولا نوع التقنية فقط، بل سؤال أكبر: كيف يمكن للطاقة النظيفة أن تصل إلى المجتمعات التي تحتاجها فعلاً؟

من أنظمة المياه في ميانمار، إلى الصمود الغذائي في كينيا والصومال، ومن الوقود الحيوي في نيجيريا، إلى الري الشمسي في الهند، تكشف المشروعات الفائزة أن الطاقة النظيفة ليست رفاهية تقنية، بل شرط أساسي للتنمية والقدرة على الصمود.

كما يعكس هذا التنوع فلسفة الجائزة في دعم حلول عملية قابلة للتوسع، تجمع بين الابتكار والأثر المجتمعي، وتستجيب لتحديات المناخ والتنمية في البيئات الأكثر هشاشة.

إرث يتجاوز الأرقام

أطلق برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند"، الذي أسسه صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه- الجائزة في نهاية تسعينيات القرن الماضي، لدعم المبادرات المبتكرة في مختلف أنحاء العالم.

ومنذ إطلاقها، كرّمت الجائزة 95 مشروعاً حول العالم، بينما تختار اللجنة سنوياً أحد أهداف التنمية المستدامة محوراً للتنافس، بما يواكب أولويات التنمية العالمية.

ويمثل هذا النهج امتداداً لإرث الأمير طلال في دعم الابتكار الذي يخدم الإنسان أولاً، ويجعل الجائزة منصة تجمع الخبرات الدولية لصالح المجتمعات المحلية.

وبين تحديات المناخ والطاقة والتنمية، تواصل جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية تأكيد رسالة واضحة، أن الابتكار المحلي يمكن أن يصنع أثراً عالمياً، وأن الاستثمار في الإنسان يظل الطريق الأكثر استدامة لبناء المستقبل.