هل لاحظت زيادة حرارة الطقس هذا الصيف أكثر من أي وقت مضى؟.. آثار تلك الحرارة تتجاوز الشعور بأعراض الإجهاد الحراري، بل قد تمتد لتؤثر على كافة جوانب حياتك، فالدراسات الحديثة تحذر من أن موجات الحر قد تدفع العالم نحو أزمة مالية يمكن أن تكون الأسوأ في التاريخ الحديث، متجاوزة في آثارها بعض أكبر الانهيارات الاقتصادية السابقة، فكيف تحوّل الحر الشديد من ظاهرة مناخية إلى تهديد يطال الاقتصاد العالمي بأكمله؟
من الحقول إلى المصانع.. كيف تنتقل صدمة الحر عبر الاقتصاد؟
تبدأ الخسائر من مكان العمل، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى الإصابة بالإجهاد الحراري، وتراجع القدرة على التركيز، وتزيد مخاطر الحوادث، خاصة لدى العاملين في المهن التي تتطلب العمل في أماكن مفتوحة، مثل الزراعة، والبناء، والنقل.
حسب تقرير مؤسسة " Allianz Economic Research" تنخفض إنتاجية العمل بنحو 3% مع كل درجة حرارة مئوية تفوق الثلاثين، وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن مئات المليارات من ساعات العمل تضيع سنوياً بسبب الحر الشديد، خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
ولا يقتصر الضرر على العمالة فقط؛ فحرارة الطقس تفاقم خسائر الإنتاج الزراعي نتيجة تلف المحاصيل، وتراجع إنتاج القمح والذرة، ونفوق الماشية، في بعض موجات الحر القاسية، وقد يرتفع هذا الرقم ثمانية أضعاف، ليصل إلى أكثر من 160 مليار دولار بحلول عام 2100، ما لم يتم تقليل الانبعاثات بشكل كبير، حسب تقرير حديث منشور بمجلة New Scientist
أما في قطاع الصناعة والخدمات، تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تلف شبكات الكهرباء وارتفاع الطلب على التبريد، ما يزيد احتمالات انقطاع الطاقة، وتعطل الأنشطة الاقتصادية، والأخطر أن هذه الخسائر لا يبقى أثرها محلياً فحسب، فسلاسل التوريد تنقل الصدمة من مكان لآخر، فعلى سبيل المثال، قد يتوقف مصنع في الصين بسبب موجة حر ضربت في البرازيل.
الخسائر العالمية: بين الماضي والمستقبل
وبحسب الدراسات، فهذه الخسائر لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، بل واقعاً يدفع ثمنه العالم منذ تسعينيات القرن الماضي، مع ارتفاع حرارة الكوكب بشكل متزايد، بين عامي 1992 و2013، بلغت خسائر الاقتصاد العالمي التراكمية ما بين 16 إلى 50 تريليون دولار (متوسط حوالي 33 تريليون)، بسبب موجات الحر الناتجة عن التغير المناخي، وفق دراسة أجرتها جامعة دارتموث الأمريكية، المنشورة في مجلة Science Advances
كما أنه لا يلوح في الأفق آمال بتراجع هذا الاتجاه، فقد تصل الخسائر السنوية إلى 25 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2060، نتيجة الاضطرابات الاقتصادية المتشابكة، وسلاسل التوريد العالمية، وفقاً لدراسة نشرتها New Scientist.
لماذا يخسر الجنوب العالمي أكثر رغم أنه الأقل تلويثاً؟
لكن هذا العبء لا يتوزع بالتساوي، فالخاسر الأكبر هو العالم النامي وخاصة الدول الواقعة في المناطق الاستوائية، وحسب دراسة جامعة دارتموث بلغت الخسائر المرتبطة بالحر الشديد نحو 8% من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الأفقر، مقارنة بنحو 3.5% فقط في الدول الغنية
ويعود ذلك إلى اعتماد هذه الاقتصادات النامية بدرجة أكبر على العمل في الهواء الطلق والزراعة، إضافة إلى محدودية أنظمة التبريد والحماية الاجتماعية، بينما تستطيع الدول الغنية امتصاص جزء من الصدمة عبر قدراتها على التكيف
كما أظهرت دراسة نشرتها مجلة Nature أن خسائر الإنتاجية في غرب إفريقيا وجنوب شرق آسيا أعلى بـ2 إلى 3.3 مرة من المتوسط العالمي، ما يعني أن المناطق الأقل إسهاماً في الانبعاثات هي غالباً الأكثر تعرضاً للتداعيات الاقتصادية.
وأخيرا، يقدم التاريخ مثالًا واضحًا على قدرة المناخ المتطرف على تعميق الأزمات الاقتصادية وتحويلها إلى كوارث اجتماعية تظل عالقة في ذاكرة البشرية، في ثلاثينيات القرن الماضي، تزامنت موجات الجفاف والحر الشديد في الولايات المتحدة مع أزمة الكساد الكبير، مما ضاعف الخسائر المالية والانسانية وتسبب في نزوح ملايين الأشخاص من السهول الأمريكية بعد أن فقدت بعض المناطق أكثر من 75% من تربتها السطحية بسبب التعرية والعواصف الترابية.
واليوم، يبدو المشهد أكثر تعقيداً؛ الأزمة الحالية لا ترتبط بالزراعة فقط، بل باقتصاد عالمي يعتمد على الطاقة الغير متجددة والانبعاثات الصناعية التي جعلت موجات الحر أكثر تكراراً وحدة، وحولت موجات الحر من ظاهرة مناخية عابرة إلى قوة تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي وتوزيع ثرواته وخسائره.