في أحد أكثر مشاهد فيلم "بزوغ كوكب القردة" توتراً، يقف القرد "سيزر" في مواجهة القرد رفيق "كوبا"، حيث يتحول صديق الأمس إلى عدو، ويتصاعد الصراع داخل عائلة القرود نفسها.
لم يعد هذا المشهد مجرد خيال يمكن أن تراه فقط على شاشة السينما، بل بات واقعاَ تدور أحداثه الدامية في غابات أوغندا المطيرة.

في تقرير نشرته صحيفة "الجارديان"، وثّق العلماء ظاهرة نادرة جداً وصادمة في البرية، انقسام داخل مجموعة واحدة من قردة الشمبانزي تطور إلى ما يشبه حرباً أهلية.
القصة بدأت في حديقة كيبالي الأوغندية، وسط مجموعة "نغوغو"، أكبر مجموعة شمبانزي برية معروفة في العالم (وهي تجمع نحو 200 فرد)، وقد ظهرت الشرارة الأولى عام 2015، حين بدأت بعض أفراد المجموعة تتصرف وكأنها تعيش مع غرباء، وليس شركاء.. في انقسام حاد أعاد تشكيل البنية الاجتماعية بالكامل.
انقسام العائلة
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Science، وثّق عالم الرئيسيات أرون ساندل وفريقه من جامعة تكساس الأمريكية، انقسام مجموعة شمبانزي "نغوغو"، التي كانت تعيش ككيان واحد، إلى فصيلين متناحرين.
على مدار أكثر من 30 عاماً من المراقبة، تتبّع الباحثون حياة المجموعة، والتي ظلت متماسكة اجتماعياَ منذ 1995 إلى 2015، حتى لاحظوا تحولاً في سلوك بعض الشمبانزي.
وبحلول عام 2018، انقسمت المجموعة إلى فصيلين: الشمبانزي الغربية والشمبانزي المركزية، ومع ترسخ المجموعتين، شن أفراد المجموعة الغربية حوالي 24 هجوماً منظماً ومستمراً على المجموعة المركزية خلال السنوات السبع التالية، أسفرت عن قتل 7 ذكور بالغين على الأقل و17 رضيعاً.

أسباب العنف الدموي
يُعرف عن الشمبانزي شن الحروب على مجموعات أخرى خارجية للدفاع عن الأرض، لكن تحول أصدقاء سابقين إلى أعداء يقتلون بعضهم، بما في ذلك الرضع، يُعتبر حدثاً استثنائياً، يصفه أستاذ الأنثروبولوجيا البيولوجية في جامعة كامبريدج، سيلفان ليموين، بأول حالة موثقة لما يمكن وصفه بالحرب الأهلية في مجتمعات الشمبانزي.. فما هي دوافعها؟
يرجح الباحثون أن هناك سلسلة من التغيرات كانت وراء انقسام أكبر مجموعة شمبانزي برية في العالم؛ منها اضطراب في القيادة مع خضوع الذكر المهيمن بالمجموعة لشمبانزي آخر عام 2015.
بجانب وفاة عدد من الأفراد الأكبر سناً الذين كانوا يحافظون على التوازن، كل ذلك أدى إلى إضعاف البنية الاجتماعية وفتح الباب أمام الاستقطاب والعنف المنظم، ثم تفشي مرض زاد من هشاشة العلاقات في 2017، وكأن النسيج الاجتماعي تفكك تدريجيًا حتى تحول إلى صراع مفتوح.
هل البشر وتغير المناخ وراء الصراع؟
تشير الدراسة المنشورة في مجلة Science إلى أن انقسام المجموعات في الشمبانزي يعد ظاهرة نادرة للغاية، ربما تحدث كل 500 عام تقريبًا في البرية، لذلك ربط عالم الرئيسيات أرون ساندل الحادثة مباشرة بالنشاط البشري.
أوضح ساندل في مقابلة مع صحيفة الجارديان، أن الأنشطة البشرية مثل إزالة الغابات، أزمة المناخ، والضغوط البيئية وتفشّي الأمراض، قد تضرب بالتماسك الاجتماعي، وتؤدي إلى زيادة تفكك المجموعات وجعل هذه الصراعات أكثر شيوعاً وتكراراً بين الحيوانات، لأن ما يفعله الإنسان لا يؤثر فقط على البيئة، بل يمتد إلى العلاقات داخل عالم الحيوان نفسه.
ما حدث في عالم الشمبانزي البري لا يثير الدهشة فقط، بل القلق أيضاً، حيث يواجه الشمبانزي خطر الانقراض، وهذه الصراعات قد تكون عاملاً إضافياً يهدد بقاءه.. لكن هل ما حدث مع الشمبانزي مجرد حالة معزولة تمامًا؟
حين يشتد الضغط.. ينفجر الصراع بالداخل
في أماكن أخرى من العالم، ومع أنواع مختلفة من الحيوانات، بدأ العلماء يرصدون نمطًا مقلقًا يشبه سلوك الشمبانزي، حين يختل التوازن البيئي لا يشتد الصراع بين الأنواع فقط، بل ينتقل إلى داخل النوع نفسه.
السبب ليس "عدوانية مفاجئة" في طبيعة الحيوان، بل ضغط بيئي شديد ونقص حاد في الغذاء، وانهيار في نمط الحياة المعتاد، لذلك حين تختفي الموارد، قد تختفي معها الحدود التي كانت تضبط السلوك.

الدببة القطبية: الجوع الذي يقتل الصغار
في القطب الشمالي، تواجه الدببة القطبية واقعاً قاسياً مع ذوبان الجليد البحري بسبب تغير المناخ، حيث تفقد هذه الدببة موطنها الأساسي للصيد، ولم تعد قادرة على اصطياد الفقمات كما اعتادت، وتعيش عالقة على اليابسة لفترات أطول دون غذاء كافٍ.
نتيجة هذا التغيير، بات يتكرر سلوك نادر وصادم من الدببة التي تهاجم وتقتل صغاراً من نفس نوعها، وأحيانًا تأكلها.
هذا النوع من الافتراس الداخلي لم يكن شائعاً من قبل، لكنه أصبح يُرصد بشكل متزايد مع تفاقم الأزمة، حسب موقع "بي بي سي نيوز".

الفيلة: حين تفقد المجتمعات ذاكرتها
قد لا تخوض الفيلة "حروباً أهلية" بالمعنى الحرفي، لكن ما يحدث داخل مجتمعاتها لا يقل خطورة.
في بعض المتنزهات الأفريقية، حيث يتصاعد الصيد غير المشروع وتدمير الموائل، رصد علماء جامعة بورتسموث البريطانية تغيراً مقلقاً في سلوك الفيلة، مثل العدوانية المفرطة والصراعات الداخلية.
مجتمع بلا قادة
تعتمد الفيلة على بنية اجتماعية معقدة تقودها الإناث الأكبر سناً، لكن عندما يُقتل الكبار لا تفقد المجموعة أفراداً فقط، بل تفقد "ذاكرتها". الأفراد الصغيرة، خاصة اليتامى، تنشأ دون توجيه أو تعلم للسلوك الاجتماعي الطبيعي.
ويتسبب ذلك في سلوك غير متوازن، عجز عن إدارة التوتر، واندفاع نحو العنف داخل المجموعة نفسها، ويرى العلماء أن ما يحدث يشبه إلى حد ما اضطراب ما بعد الصدمة لدى البشر، نتيجة انقطاع نقل الخبرة، وتفكك في الروابط الاجتماعية، وكلها عوامل تدفع نحو "العدوانية المفرطة" داخل النوع.
سواء في غابات أفريقيا أو على جليد القطب الشمالي، قد لا تقتصر آثار أفعال البشر على تدمير المواطن الطبيعية فقط، بل تمتد لتفكيك الروابط الاجتماعية داخلها.
حين نضغط على البيئة، ونفاقم أزمة المناخ، نحن لا نغيّر شكل العالم فحسب، لكننا نعيد تشكيل سلوك الكائنات التي تعيش فيه، وأحيانًا نُشعل بينهم الصراعات.. نحن لا ندمّر الحاضر فقط، بل نترك أثرًا يمتد إلى أجيال لم تولد بعد.