في عصر تغيّر المناخ، لم يعد التريلر مجرد أداة ترويجية، بل أصبح قرارًا بيئيًا..وثمن هذه الثواني، في النهاية، يدفعه الكوكب فقط.
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما عرض فيلم تايتانيك، لم يكن العمل الأعمق درامياً ولا فنياً، لكنه كان ببساطة ابن عصره.. عصر يتحضر لدخول الألفية الجديدة بثورة بصرية ولغة تقنية غير مألوفة، لذلك دعمه الجمهور واحتفت به الصناعة، ليس بالضرورة لأنه الأفضل، بل لأنه كان الأنسب لعبور تلك اللحظة التاريخية نحو المستقبل.
هكذا تطورت الفنون دائماً: لا تقيم بمعزل عن عصرها وبيئتها، فلكل مرحلة معاييرها التي تؤثر على صناعة الدراما ونظرة المجتمع.
اليوم، نحن ننتقل من عصر الإبهار إلى عصر المسؤولية.. حيث يفرض تغيّر المناخ سؤالاً مهماً على صناع الدراما والجمهور:
هل يكفي أن يكون العمل جيداً فنياً فقط؟ أم أصبح من الضروري أن يكون مسؤولاً بيئياً أيضاً، وأن يعبّر عن مفهوم "الدراما الخضراء" في كل تفاصيله؟
ماراثون رمضان 2026.. كثافة الإنتاج وسؤال الاستدامة
تعود هذه الاسئلة بقوة مع الشهر الكريم، وخاصة هذا العام الذي يعد واحداً من أضخم مواسم الدراما إنتاجاٍ في السنوات الأخيرة، مع عرض حوالي 40 مسلسلاً
ومع هذا الزخم، تعود "جرين بالعربي" لفتح النقاش حول معيار لم يعد من الممكن تجاهله عند تقييم الأعمال الفنية: الأثر البيئي، الذي بات جزءاً من معايير العصر، تماماً كما مثلت الجودة التقنية معياراً حاسمًا مع دخول القرن 21.
وبما أننا في بداية الموسم الرمضاني، نبدأ النقاش من نقطة غالباً ما تمر دون انتباه: التريلر.
هذه المقاطع القصيرة التي تحقق ملايين المشاهدات وتشكل قرار الجمهور حول متابعة المسلسل .
ونتساءل ما حجم البصمة الرقمية لمشاهدة هذه الفيديوهات؟
وهل تؤثر مدة التريلر على الانبعاثات الكربونية وكمية استهلاك الطاقة؟
البصمة الكربونية الرقمية لمشاهدة التريلر
تشير الدراسات الحديثة إلى أن حجم البصمة الكربونية لكل دقيقة فيديو أونلاين، يتأثر بعدة عوامل، من بينها جودة العرض، ومصدر الكهرباء، ونوع الجهاز المستخدم، لكن تبقى مدة الفيديو العامل الرئيسي في الحساب النهائي.
بحسب مؤسسة The Carbon Trust وصحيفة الجارديان البريطانية، يقدر متوسط البصمة الكربونية لكل ساعة واحدة من بث الفيديو بحوالي 55 جراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يُعادل قيادة سيارة لمسافة 300 متر تقريباً
أي أن مشاهدة دقيقة واحدة من بث الفيديو تُولد حوالي 0.92 جراما من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
قد تبدو هذه الأرقام محدودة لأننا نتحدث على مستوى الفرد، لكن هذه الجرامات القليلة تتحول الى أطنان من الانبعاثات عند احتساب المشاهدات المليونية، مع الأخذ في الاعتبار أن بث الفيديو يشكّل ما بين 60% و75% من حركة البيانات العالمية، ويترتب على ذلك استهلاك كميات من الطاقة لتشغيل مراكز البيانات ونقل المحتوى.
بروموهات رمضان 2026: عندما تصنع الثواني فرقاً مناخياً
غالبية البروموهات تتجاوز الدقيقة الواحدة، لذلك توقفنا عند أبرز التريلرات التي حققت نسب مشاهدة مرتفعة، وقمنا بحساب بصمتها الكربونية استناداً إلى معايير The Carbon Trust.
ولأن الأرقام وحدها قد تبدو مجردة، حاولنا ترجمتها إلى نتيجة ملموسة: عبر مقارنة الانبعاثات الناتجة عن مليون مشاهدة لكل تريلر بانبعاثات رحلة طيران من لندن إلى باريس، والتي تُقدَّر بحوالي 61.5 كيلوجراماً من ثاني أكسيد الكربون للراكب الواحد، وفقًا لبيانات يوروستار.
ماذا تعني هذه الأرقام؟
تظهر النتائج بوضوح أن البصمة الكربونية للمشاهدة تتناسب طرديًا مع مدة الفيديو، التريلر الأقصر يستهلك طاقة أقل ويُنتج انبعاثات أقل مقارنة بـ البروموهات الأطوال..
في الختام: التريلر قرار بيئي
لا يدعو هذا التقرير إلى تقليل الإبداع أو التضحية بالجودة، بل إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالمحتوى وتكلفته الخفية مع دعم التريلرات الاقصر، خاصة وانها لا تتعارض مع مصالح الإنتاج، بل على العكس، ترفع معدلات إكمال المشاهدة وتساهم في نجاح المحتوى الرقمي.