في الصفحة الأولى من موقع مؤسسة أحياها الإنسانية، يظهر أمام الزائر نصفا قلب غير مكتملين، يطلب منك الموقع أن تجمعهما معاً، وما إن يحدث ذلك، حتى تُفتح لك أبواب المنصة.
قد تبدو هذه مجرد لمسة تصميمية بسيطة، لكن الرسالة أعمق من ذلك بكثير: المجتمعات لا تُبنى إلا حين يشارك الجميع بقلوب مكتملة.
هذه الفكرة تختصر فلسفة المؤسسة التي تقوم على التفاعل والمسؤولية المشتركة؛ فالتغيير الحقيقي لا تصنعه المؤسسات وحدها، بل يبدأ عندما يقرر الإنسان أن يكون جزءًا من الحل.
وفي عالم يواجه تحديات متصاعدة تتعلق بالغذاء والموارد الطبيعية، يصبح هذا النوع من المشاركة ضرورة إنسانية وبيئية في آن واحد.
تعمل مؤسسة أحياها الإنسانية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن طلال آل سعود –حفظه الله– رئيس مجلس الأمناء، وصاحبة السمو الأميرة سُرى بنت سعود آل سعود، نائب رئيس مجلس الأمناء، على تحويل القيم المتجذرة في الثقافة العربية إلى مبادرات عملية تخدم الإنسان والبيئة معاً
ويمثل هذا النهج امتداداً لإرث صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود– طيب الله ثراه – الذي كان من أوائل الداعمين لفكرة تمكين المجتمع المدني في العالم العربي، مؤمناً بأن التنمية الحقيقية لا تقوم على المساعدات المؤقتة، بل على مؤسسات قادرة على الاستمرار وإحداث الأثر.
"حفظ النعمة".. قيمة قديمة تكتسب معنى جديداً
عبر قرون طويلة، تشكلت في المجتمعات العربية منظومة أخلاقية بسيطة لكنها عميقة التأثير: حفظ النعمة.
لم يكن الطعام في البيوت العربية مجرد وجبة عابرة، بل نعمة ينبغي صونها، كانت الأمهات يجمعن ما تبقى من الطعام بعناية، ليس بدافع الاقتصاد وحده، بل بدافع الامتنان والوعي بقيمة العطاء، وكان هذا السلوك اليومي البسيط انعكاسًا لثقافة ترى في الهدر فقدانًا لبركة النعمة.
لكن في عالم اليوم، لم يعد هذا المفهوم مجرد قيمة اجتماعية موروثة، فمع تصاعد القلق العالمي بشأن هدر الطعام واستنزاف الموارد الطبيعية، بدأت هذه الحكمة القديمة تكتسب معنى جديدًا.
وهنا يأتي دور مؤسسة أحياها التي نجحت في تحويل مفهوم حفظ النعمة من قيمة أخلاقية إلى حل عملي لمشكلة بيئية عالمية.
عندما يتحول فائض الطعام إلى مصدر حياة
تعمل المؤسسة على ترسيخ ثقافة حفظ النعمة عبر دعم المبادرات والجمعيات المتخصصة في جمع فائض الطعام وإعادة توزيعه بطريقة منظمة ومستدامة تضمن وصوله إلى مستحقيه بدل أن يتحول إلى نفايات.
ومن أبرز هذه المبادرات التعاون مع جمعية خيرات لحفظ النعمة، التي أصبحت نموذجاً عملياً لتحويل الفكرة إلى أثر ملموس.
ومؤخراً قام صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن طلال آل سعود–حفظه الله– وصاحبة السمو الأميرة سُرى بنت سعود آل سعود بزيارة الجمعية لدعم مبادرة تستهدف إطعام أكثر من 3000 أسرة في مدينة الرياض.
وخلال الزيارة شارك سموهما في توزيع الوجبات على المستفيدين، في مشهد يعكس روح التكافل الاجتماعي ويجسد مفهوم حفظ النعمة في صورته العملية وهي طعام فائض يجد طريقه إلى من يحتاجه بدل أن يتحول إلى هدر.
ولا تتوقف جهود المؤسسة عند هذا الحد، فقد دعمت أيضًا مشروع "الإطعام المتحرك" بالتعاون مع جمعية خيرات، والذي نجح في تحويل فائض الطعام إلى وجبات تصل إلى الأسر المستفيدة في نحو 100 حي من أحياء مدينة الرياض خلال العام الماضي.
لماذا أصبح هدر الطعام قضية عالمية؟
توضح الأرقام العالمية حجم المشكلة بوضوح. فوفق تقرير نفايات الأغذية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يُهدر نحو ثلث الطعام في العالم سنويًا، بمتوسط 74 كيلوجرامًا من النفايات الغذائية المنزلية لكل فرد.
ولا يتوقف الأمر عند إهدار الطعام فحسب، بل يمتد ليشمل الموارد التي أُنتج بها هذا الغذاء.
فالهدر الغذائي عالميًا يؤدي إلى خسارة اقتصادية تقارب تريليون دولار سنوياً، إنتاج نحو 8% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، إهدار ما يقارب ربع المياه المستخدمة في الزراعة، وهذه الأرقام تجعل من إحياء مفهوم حفظ النعمة ضرورة بيئية واقتصادية، لا مجرد عادة اجتماعية.
فالمفهوم الذي نشأ في البيوت العربية قبل عقود، أصبح اليوم جزءاً من لغة الاستدامة الحديثة، وأداة عملية لتقليل الفاقد الغذائي وتعزيز الاستهلاك المسؤول ودعم الاقتصاد الدائري.
إرث الأمير طلال ورؤية المستقبل
لم يكن تبني مؤسسة أحياها لمفهوم حفظ النعمة مجرد مبادرة لتوزيع الطعام، بل محاولة لإحياء ثقافة كاملة كادت أن تتراجع أمام أنماط الاستهلاك الحديثة.
ومن خلال هذا النهج تحولت فكرة بسيطة –عدم إهدار الطعام– إلى منظومة عمل تجمع بين التكافل الاجتماعي والإدارة المستدامة للموارد.
كما تتقاطع هذه المبادرات مع رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى تعزيز الاستدامة البيئية، وتحقيق الأمن الغذائي، وتقليل الهدر، وتمكين القطاع غير الربحي ليكون شريكاً أساسياً في التنمية.
حين يكتمل القلب
مع نهاية رحلتك داخل منصة أحياها، قد تدرك أن القلب الذي طُلب منك إكماله في بداية الزيارة لم يكن مجرد عنصر بصري.
بل فكرة رمزية بسيطة تقول إن حماية الموارد وإحياء قيم التكافل لا تتحقق بجهود المؤسسات وحدها، بل بمشاركة المجتمع كله.
فكل وجبة تُنقذ من الهدر، وكل مبادرة تحافظ على النعمة، تمثل جزءاً صغيراً من ذلك القلب الذي يكتمل عندما يشارك الجميع في صنع مستقبل أكثر استدامة.
وهكذا تحولت عبارة كانت تتردد في البيوت العربية قديماً وهي "احفظ النعمة" إلى لغة جديدة من لغات الاستدامة في عالم اليوم.