في جبال العلا وُلد الأمل.. ثلاثة أشبال تعيد كتابة قصة النمر العربي


مروة بدوي
الخميس 05 مارس 2026 | 08:26 مساءً

في صباح هادئ من يوم 19 يونيو 2024، وبين الصخور الصامتة في جبال المملكة العربية السعودية، ولدت ثلاثة أشبال صغيرة للنمرة "ورد" داخل مركز إكثار النمر العربي، التابع للهيئة الملكية لمحافظة العلا

كانت أعين الأشبال مغلقة، لا ترى العالم بعد، لكن ولادتها حملت رسالة واضحة: النمر العربي ما زال يقاوم من أجل البقاء.

الخبر لم يكن مجرد ولادة جديدة في مركز إكثار، بل حدث نادر أثار اهتمام الباحثين ووسائل الإعلام في المنطقة والعالم، فهذه الأشبال الثلاثة ليست مجرد صغار لنمرة تعيش في الأسر، بل امتداد لسلالة مهددة بالاختفاء من على وجه الأرض، وكأن الطبيعة نفسها تقول إن قصة النمر العربي لم تنتهِ بعد.

ونروي لكم في جرين بالعربي حكاية النمرة "ورد" وأشبالها الثلاثة، حكاية سلالة تصارع الزمن كي لا تختفي، وحكاية جهود عربية تسعى إلى إعادة أحد أندر المفترسات في العالم إلى موطنه الطبيعي.

النمر العربي.. أصغر النمور وأكثرها ندرة

ينتمي النمر العربي إلى عائلة النمور الإفريقية والآسيوية، لكنه يتميز بصفات تجعله مختلفاً عن باقي السلالات، فهو أصغر حجماً بينها، ويتميز بفراء فاتح اللون يتدرج من الذهبي المصفر على الظهر إلى الأصفر الشاحب أو الأبيض على باقي الجسم، كما يمتلك ذيلاً طويلاً يساعده على التوازن أثناء تسلق الجبال الوعرة التي يعيش فيها.

في البرية، يعيش النمر العربي عادة بين 8 و10 سنوات، لكن داخل مراكز الإكثار يمكن أن يصل عمره إلى 20 عاماً بفضل الرعاية والحماية من الأخطار الطبيعية والبشرية.

لكن رغم هذه الصفات الفريدة، يواجه النمر العربي اليوم خطراً وجودياً يهدد استمراره.

من إفريقيا إلى جبال الجزيرة العربية

تشير الدراسات إلى أن أسلاف النمر العربي ظهرت في إفريقيا قبل نحو 500 ألف عام، ثم انتشرت تدريجياً إلى مناطق واسعة من الشرق الأوسط.

ومع مرور الزمن، استوطنت هذه السلالة شبه الجزيرة العربية ومصر، وأصبحت جزءاً من الحياة البرية والتاريخ الطبيعي للمنطقة.

لطالما كان النمر العربي رمزاً لجبال الجزيرة، مفترسًا خفيًا نادر الظهور، يتحرك بصمت بين الصخور والوديان، ويحتل قمة السلسلة الغذائية في بيئته الجبلية القاسية.

لكن هذا الملك الصامت للجبال بدأ يختفي تدريجياً خلال العقود الماضية.

كيف وصل النمر العربي إلى حافة الانقراض؟

على الرغم من امتداده التاريخي الطويل، تعرض النمر العربي لضغوط شديدة دفعت أعداده إلى التراجع بشكل خطير.

كان الصيد الجائر أحد أبرز الأسباب، إلى جانب تدمير الموائل الطبيعية نتيجة التوسع العمراني وتغير أنماط استخدام الأراضي.

واليوم، لم يعد في البرية سوى نحو 200 نمر عربي فقط، موزعين بين مجموعات صغيرة في المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان واليمن، ولهذا السبب صنف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) النمر العربي ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشدة وهو تصنيف لا يحصل عليه إلا عدد محدود جداً من الكائنات التي أصبحت على حافة الاختفاء.

جهود عربية لإنقاذ النمر العربي

إدراكاً لأهمية النمر العربي كرمز للتنوع البيولوجي في شبه الجزيرة العربية، بدأت عدة مبادرات إقليمية لحمايته.

وتأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة هذه الجهود، حيث أعلنت في عام 2022 يوم 10 فبراير من كل عام يوماً للنمر العربي، بهدف رفع الوعي بأهمية حمايته.

وفي خطوة مهمة، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في يونيو 2023 هذا التاريخ ليصبح رسمياً اليوم العالمي للنمر العربي.

وقد اعتُبر هذا الاعتراف الدولي لحظة تاريخية تعكس أهمية الجهود المبذولة للحفاظ على هذا الكائن النادر.

وتشمل المبادرات الحالية إطلاق برنامج حماية النمر العربي وإنشاء مركز إكثار النمر العربي وتأسيس الصندوق العالمي لحماية النمر العربي في محافظة العلا وتهدف هذه المبادرات إلى دعم الأبحاث العلمية، وتعزيز برامج التكاثر في الأسر، والعمل على إعادة توطين النمور في موائلها الطبيعية.

مركز إكثار النمر العربي.. أمل السلالة

يعد مركز إكثار النمر العربي التابع للهيئة الملكية لمحافظة العلا أحد أهم المراكز المتخصصة في العالم لحماية هذه السلالة النادرة.

فهو المركز الوحيد الذي يركز بالكامل على برامج إكثار النمر العربي بهدف زيادة أعداده والحفاظ على تنوعه الجيني.

ومع كل ولادة جديدة داخل المركز، يزداد الأمل في إعادة بناء مجتمع مستقر من هذه النمور يمكن مستقبلاً إعادة إطلاقه في الطبيعة.

وهنا تبدأ قصة النمرة "ورد" وهي الأم التي تحمل مستقبل النمر العربي على كاهلها.

داخل هذا المركز، تعيش النمرة "ورد"، التي أصبحت في يونيو 2024 بطلة واحدة من أهم لحظات الأمل في قصة النمر العربي فقد وضعت ثلاثة أشبال دفعة واحدة، في حدث نادر للغاية.

وتعد هذه الولادة: الأولى من نوعها في السعودية والثالثة عالمياً خلال الثلاثين عاماً الماضية، في إنجاز يعكس التقدم الكبير في برامج الإكثار والحفاظ على هذا النوع.

مثل أي أم في البرية، احتضنت "ورد" أشبالها الثلاثة وبدأت رعايتهم في أيامهم الأولى، بينما يراقب الخبراء هذه اللحظات باعتبارها خطوة مهمة في مسار إنقاذ النمر العربي.

فهؤلاء الأشبال ليسوا مجرد صغار لنمرة في مركز حماية، بل أحفاد سلالة عاشت في هذه الأرض منذ آلاف السنين.

مستقبل النمر العربي.. هل يعود ملك الجبال؟

رغم التحديات الكبيرة التي واجهها النمر العربي خلال العقود الماضية، فإن الجهود العلمية والبيئية الحالية تمنح هذه السلالة فرصة جديدة للحياة.

فبرامج الإكثار، واستعادة الموائل الطبيعية، وزيادة الوعي العام، كلها خطوات تهدف إلى إعادة النمر العربي إلى جبال الجزيرة العربية.

وداخل جبال المملكة، تكبر الأشبال الثلاثة ببطء تحت رعاية الخبراء، وربما، بعد سنوات، ستعود هذه النمور لتسير في الجبال التي سار فيها أسلافها منذ آلاف السنين.

عندها فقط سنعرف إن كانت قصة النمر العربي قد تحولت من حافة الانقراض.. إلى قصة نجاة.