من السماء إلى الأسواق حين تتحول أسراب الجراد إلى تهديد للأمن الغذائي


مروة بدوي
السبت 14 مارس 2026 | 04:18 مساءً

في إحدى قرى شمال غرب أفريقيا، رفع مزارع عينيه نحو السماء فرأى ما يشبه سحابة داكنة تتحرك ببطء فوق الحقول، لم تكن غيمة مطر، بل سرباً هائلاً من جراد الصحراء.

في لحظات، تغير لون السماء، ملايين الحشرات تغطي الأفق، وتتحرك ككتلة واحدة، وكأن الطبيعة نفسها أطلقت موجة حية تزحف فوق الأرض.

يقول سكان المناطق المتضررة إن المشهد يبدو للوهلة الأولى عابراً، لكن آثاره قد تكون مدمرة، ففي غضون ساعات قليلة يمكن لهذه الأسراب أن تلتهم مساحات واسعة من المحاصيل.

ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، يمكن لسرب واحد يغطي كيلومتراً مربعاً واحداً ويضم نحو 80 مليون جرادة أن يستهلك في يوم واحد كمية من الغذاء تكفي لإطعام نحو 35 ألف شخص.

لهذا السبب يُصنف جراد الصحراء كأحد أخطر الآفات المهاجرة على وجه الأرض.

وخلال الأشهر الماضية، حذرت منظمة الفاو من استمرار نشاط الجراد في شمال غرب أفريقيا، فقد رُصدت مجموعات وأسراب في موريتانيا والصحراء الكبرى وجنوب المغرب، مع امتداد بعضها إلى غرب الجزائر وحتى جزر الكناري الإسبانية.

لكن السؤال الذي يطرحه العلماء اليوم لا يتعلق فقط بوجود الجراد، بل بسبب عودته المتكررة في السنوات الأخيرة.

هل يمكن أن يكون التغير المناخي جزءاً من القصة؟

حشرة صغيرة.. لكنها تتحول إلى قوة مدمرة

في الظروف العادية يعيش الجراد الصحراوي حياة هادئة نسبياًـ ينتشر منفرداً، في المناطق الصحراوية بأعداد محدودة، ولا يشكل خطراً كبيراً.

لكن عندما تتغير الظروف البيئية، يتحول سلوكه بشكل جذري.

فمع الأمطار الغزيرة ونمو النباتات الخضراء، يجد الجراد بيئة مثالية للتكاثر. تبدأ أعداده في الارتفاع بسرعة مذهلة.

يمكن أن تتضاعف أعداد الجراد بشكل كبير جداً، 20 مرة خلال ثلاثة أشهر، و400 مرة خلال ستة أشهر، و8000 مرة خلال تسعة أشهر.

ومع ازدياد الكثافة للحشرات، يتحول الجراد من حالة الانفراد إلى الحياة الجماعية. عندها تبدأ الأسراب بالتشكل، وتتحرك عبر الصحارى والسهول بحثاً عن الغذاء.

وفي هذه المرحلة تصبح الحشرات أكثر نشاطاً وشراهة، قادرة على استهلاك كميات هائلة من النباتات والمحاصيل الزراعية.

ولا تقتصر خطورة الجراد على شهيته الكبيرة، بل على قدرته على السفر لمسافات طويلة. فالأسراب يمكن أن تطير حتى 150 كيلومتراً يومياً مع اتجاه الرياح، ما يسمح لها بعبور الحدود والقارات خلال فترة قصيرة.

ولهذا يُعد الجراد الصحراوي أكثر الآفات المهاجرة تدميراً للمحاصيل الزراعية في العالم.

عندما تتغير السماء.. يتكاثر الجراد

يرتبط انتشار الجراد الصحراوي ارتباطاً وثيقاً بالمناخ.

فالأمطار غير المعتادة في المناطق الصحراوية يمكن أن تحول الرمال الجافة إلى بيئة رطبة مناسبة لوضع البيض. كما أن نمو النباتات بسرعة يوفر مصدراً وفيراً للغذاء للحشرات الصغيرة بعد فقسها.

وخلال الفترة الأخيرة شهدت مناطق واسعة من شمال أفريقيا والساحل الأفريقي معدلات أمطار أعلى من المعتاد، وهو ما وفر بيئة مثالية لتكاثر الجراد.

وبحسب خبراء منظمة الفاو، تسمح هذه الظروف بظهور عدة أجيال متتالية من الجراد خلال فترة قصيرة، وهو ما يؤدي إلى تضاعف الأعداد بسرعة وتكوين أسراب كبيرة.

كما يلعب ارتفاع درجات الحرارة دوراً مهماً في هذه العملية، إذ يؤدي إلى تسريع دورة حياة الجراد من مرحلة البيض إلى مرحلة الطيران.

وفي بعض الحالات قد تسهم الظواهر المناخية المتطرفة مثل العواصف في خلق ظروف مناسبة للتكاثر، فالأمطار الغزيرة التي تتركها هذه العواصف قد تدمر المحاصيل في بعض المناطق، لكنها تترك أيضاً بيئة رطبة تسمح للجراد بالتكاثر بسرعة.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن التغير المناخي أصبح عاملاً مهماً في تفسير تزايد موجات تفشي الجراد في السنوات الأخيرة.

من الحقول إلى الأسواق

تأثير الجراد لا يتوقف عند حدود الحقول.

فعندما تتعرض المحاصيل للتدمير بسبب الأسراب، ينخفض الإنتاج الزراعي. ومع تراجع المعروض من الغذاء، تبدأ الأسعار في الارتفاع.

وفي الدول التي تعتمد بشكل كبير على الإنتاج المحلي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ضغوط كبيرة على الأسواق الغذائية.

وقد أظهرت التجارب السابقة خلال موجات تفشي الجراد في شرق أفريقيا بين عامي 2019 و2021 أن خسائر المحاصيل يمكن أن تصل إلى مليارات الدولارات.

كما أن تراجع الإنتاج الزراعي أدى إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء في الأسواق المحلية والإقليمية.

وترى مؤسسات دولية مثل البنك الدولي أن تفشي الجراد لا يمثل مجرد مشكلة زراعية أو بيئية، بل قد يتحول إلى تحدٍ اقتصادي وغذائي واسع النطاق.

عام 2026.. مراقبة السماء

مع استمرار التقلبات المناخية في مناطق واسعة من أفريقيا، يحذر الخبراء من احتمال استمرار نشاط جراد الصحراء خلال عام 2026.

وتتوقع منظمة الفاو احتمال هجرة مزيد من الأسراب إلى المغرب والجزائر، ما يجعل عمليات المراقبة والمسح الميداني أكثر أهمية.

كما تعمل عدة دول في المنطقة بالتعاون مع منظمة الفاو على تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة الجوية، إضافة إلى استخدام تقنيات المكافحة بالمبيدات في مناطق التكاثر قبل أن تتحول الحشرات الصغيرة إلى أسراب ضخمة.

وفي بعض المناطق الداخلية من مصر والسعودية والسودان واليمن قد يحدث تكاثر ربيعي محدود في حال سقوط الأمطار، إلا أن الفاو لا تتوقع تطورات كبيرة في هذه المناطق في الوقت الحالي.

معركة مستمرة بين الطبيعة والزراعة

الجراد الصحراوي ليس مجرد حشرة تعبر السماء.

إنه تذكير حيّ بمدى الترابط بين المناخ والزراعة والغذاء.

ومع تغير أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في المناطق الصحراوية، قد تصبح موجات تفشي الجراد أكثر تكراراً في المستقبل.

لهذا يؤكد العلماء أن المراقبة المستمرة وأنظمة الإنذار المبكر ستكونان خط الدفاع الأول لحماية الزراعة والأمن الغذائي في السنوات القادمة.

ففي عالم يتغير مناخه بسرعة، قد يبدأ خطر الغذاء أحياناً.. من سرب حشرات يمر في السماء.