من مزارع الهند إلى المجتمعات المتأثرة بالنزاعات في القرن الإفريقي، ومن تحويل النفايات إلى وقود في نيجيريا إلى تأمين المياه في ميانمار، أربعة مشروعات تفوز بجائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية، وتقدم نماذج لكيف يمكن أن تستمر التنمية رغم الأزمات.
هل يمكن أن تنتظر التنمية انتهاء الحروب والصراعات، بينما يحتاج الملايين اليوم إلى المياه والغذاء والطاقة؟
في العاصمة الأرمينية يريفان، جاء الجواب على لسان صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن طلال آل سعود، رئيس برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند" ورئيس لجنة جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية:
"لا يمكن تأجيل التنمية حتى يعمّ السلام العالم؛ فمن خلال التعاون والاستثمار في الإنسان، يمكننا تهيئة الظروف لتحقيق سلام دائم".
مصدر الصور: برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند"
لم تكن الرسالة مجرد دعوة إلى مواصلة العمل التنموي، بل تأكيداً على أن التنمية ليست مكافأة تنتظر المجتمعات بعد انتهاء الأزمات، وإنما أحد المسارات التي تساعدها على تجاوز آثارها وبناء مستقبل أكثر استقراراً.
وقد تجسدت هذه الرؤية في أربعة مشروعات فائزة بجائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية لعام 2025، تجمع بين الطاقة النظيفة وتحسين سبل العيش، وتقدم حلولاً لتحديات متداخلة: ندرة المياه، والأمن الغذائي، والنفايات، والتكيف مع تغير المناخ.
ورغم اختلاف مواقعها وظروفها، يجمع هذه المشروعات هدف واحد: ألا تتحول الأزمات الاقتصادية والمناخية والصراعات إلى عائق دائم أمام حصول المجتمعات على احتياجاتها الأساسية.
27 عاماً من الاستثمار في الحلول التنموية
برعاية فخامة رئيس جمهورية أرمينيا، فاهاكن خاتشاتوريان، نظم برنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند" حفل جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية في دورتها السابعة والعشرين، بالعاصمة يريفان، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (COP17).
الحفل الذي أقيم برعاية وحضور صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن طلال آل سعود، ومعالي السيد نيكول باشينيان، رئيس وزراء جمهورية أرمينيا، وجلالة الملكة صوفيا من مملكة إسبانيا، عضو لجنة الجائزة، إلى جانب أعضاء اللجنة وعدد من الشخصيات الرسمية، لتكريم الجهات والأفراد أصحاب المشروعات الفائزة.
وعلى مدار 27 عاماً، استقبلت الجائزة 2,299 مشروعاً مرشحاً، وكرّمت 95 فائزاً، وقدمت جوائز تجاوزت قيمتها 14 مليون دولار، وأسهمت في توسيع نطاق تطبيق 81 مشروعاً تنموياً في عشرات الدول.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم المشاركة الدولية فحسب، بل تكشف عن مسار طويل لدعم المبادرات التي أثبتت جدواها، ومساعدتها على الانتقال من نطاق محدود إلى مجتمعات أوسع.
وفي كلمته خلال الحفل، أكد الأمير عبد العزيز بن طلال أهمية توحيد الجهود لمواجهة التحديات العالمية، قائلاً:
"التحديات التي يواجهها عالمنا تتطلب أكثر من الجهود الفردية؛ فلدينا المعرفة والمؤسسات والموارد، ويكمن التحدي في توحيد هذه العناصر معاً وتحويل طموحاتنا المشتركة إلى نتائج تحسّن حياة الناس".
وأشار سُموه إلى أن هذا النهج سيواصل توجيه الشراكات التنموية التي يعمل عليها "أجفند"، انطلاقاً من إرث صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود، طيب الله ثراه، في الاستثمار في الإنسان وبناء مؤسسات قادرة على إحداث أثر مستدام.
4 مشروعات تعيد تعريف الوصول إلى الطاقة النظيفة
اختارت الجائزة في دورتها لعام 2025 موضوع "طاقة نظيفة وبأسعار معقولة"، المرتبط بالهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
ومن بين 160 مشروعاً ترشحت للجائزة في فروعها الأربعة، تأهل 64 مشروعاً إلى مرحلة التحكيم، قبل اختيار أربعة مشروعات فائزة، بإجمالي جوائز يبلغ مليون دولار.
وتكشف التجارب الفائزة أن التحول نحو الطاقة النظيفة لا يتعلق فقط باستبدال مصدر للطاقة بآخر، بل بإزالة العوائق التي تحول دون وصول المجتمعات إلى المياه والغذاء والخدمات الأساسية.
الهند.. حين تصبح الشمس في متناول صغار المزارعين
في المناطق الريفية بالهند، قد لا تكون المشكلة في غياب الطاقة الشمسية، بل في قدرة صغار المزارعين على تحمل تكلفة استخدامها.
فشراء مضخات الري الشمسية وتركيبها وصيانتها يمثل عبئاً مالياً على كثير من الأسر الزراعية، رغم ما يمكن أن توفره هذه الأنظمة من بديل لمضخات الديزل الملوثة.
مصدر الصور: جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية
ومن هنا قدمت شركة "أورجا لحلول التنمية الهندية الخاصة المحدودة" نموذجاً مختلفاً: المزارع لا يحتاج إلى امتلاك مضخة شمسية حتى يستفيد منها.
تتولى الشركة تركيب المضخات وتشغيلها وصيانتها، بينما يدفع المزارعون مقابل المياه المستخدمة في الري، دون تحمل تكلفة شراء المعدات.
وبحسب المعلومات المقدمة عن المشروع، ساعد هذا النموذج في زيادة الإنتاجية الزراعية للأسر المستفيدة بنحو 50%، إلى جانب خفض انبعاثات غازات الدفيئة.
ولم تقتصر المبادرة على توفير خدمات الري، بل شملت الاستشارات الزراعية الذكية مناخياً، بما يدعم قدرة صغار المزارعين على تحسين سبل عيشهم والتعامل مع التحديات المناخية.
وقد فاز المشروع بجائزة الفرع الرابع، المخصص للمشروعات الفردية، وقيمتها 100 ألف دولار، تحت عنوان "توسيع خدمات الري بالطاقة الشمسية والاستشارات الزراعية الذكية مناخياً لتحسين سبل عيش صغار المزارعين".
نيجيريا.. عندما تتحول النفايات إلى مصدر للطاقة
ماذا لو أصبحت النفايات العضوية التي تمثل عبئاً على المجتمعات مصدراً للكهرباء ووقود الطهي؟
هذا هو المسار الذي يسعى إليه مشروع "Bio-360"، الذي طورته مختبرات "دي-أوليفيت" في نيجيريا، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في تحويل النفايات إلى وقود حيوي.
ويستهدف النظام تسهيل وصول النساء والمجتمعات الريفية إلى الكهرباء ووقود الطهي النظيف، إلى جانب توفير موارد حيوية مستدامة أخرى بالاعتماد على النفايات العضوية.
مصدر الصور: جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية
ويجمع المشروع بذلك بين معالجة المخلفات، وتطوير بدائل للطاقة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في مواجهة احتياجات تنموية مباشرة.
وحصل "Bio-360" على جائزة الفرع الثالث، المخصص للجهات الحكومية والمؤسسات العامة ومؤسسات الأعمال الاجتماعية ومؤسسات القطاع الخاص الموجهة لدعم القطاع الاجتماعي، وقيمتها 200 ألف دولار.
وتكمن أهمية التجربة في أنها لا تتعامل مع النفايات باعتبارها مشكلة يجب التخلص منها فقط، بل مورداً يمكن الاستفادة منه ضمن نموذج أكثر استدامة لإنتاج الطاقة.
كينيا والصومال.. المياه والطاقة في مواجهة الجوع والنزاعات
في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات والتغيرات المناخية في القرن الإفريقي، لا يمكن فصل الأمن الغذائي عن المياه أو استقرار سبل العيش.
فصغار المزارعين والرعاة والنازحون والمجتمعات المستضيفة يواجهون تحديات متداخلة، تتطلب حلولاً تتجاوز توفير خدمة واحدة.
مصدر الصور: جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية
وفي كينيا والصومال، تعمل منظمة "المساعدة للسلام والتنمية" على تعزيز الأمن الغذائي المستدام، وإدارة النزاعات المجتمعية، ودعم قدرة الفئات الأكثر هشاشة على الصمود.
ويستهدف مشروعها توسيع إمدادات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية، لدعم صغار المزارعين وتحسين فرص الإنتاج الزراعي، إلى جانب بناء القدرات والهياكل اللازمة لإدارة الموارد والنزاعات المجتمعية.
وتعمل المنظمة كذلك على تعزيز العدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي، ودعم قدرة المجتمعات الضعيفة في القرن الإفريقي على التكيف مع تغير المناخ.
وفاز المشروع بجائزة الفرع الثاني، المخصص للجمعيات الأهلية الوطنية، وقيمتها 300 ألف دولار، بما يساعد على توسيع أنشطته داخل المجتمعات المستهدفة.
وتوضح هذه التجربة كيف يمكن للاستثمار في المياه والطاقة النظيفة أن يصبح جزءاً من استجابة تنموية أوسع، تربط الأمن الغذائي بقدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات.
ميانمار.. مياه نظيفة بأنظمة أكثر قدرة على الصمود
في ميانمار، يمثل ضمان استمرار إمدادات المياه تحدياً يتزايد تعقيداً مع تغير المناخ، خاصة في المناطق الريفية.
ولهذا يركز مشروع "أنظمة إمدادات المياه المجتمعية القادرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ"، الذي نفذته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، على الربط بين أمن المياه والتكيف المناخي.
مصدر الصور: جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية
ويستهدف المشروع تطوير أنظمة أكثر استدامة لإمدادات المياه، فيما ستسهم قيمة الجائزة في استبدال الأنظمة الريفية المعتمدة على الوقود الأحفوري بأخرى تعمل بالطاقة النظيفة.
وفاز المشروع بجائزة الفرع الأول، المخصص للمنظمات الأممية والدولية والإقليمية، وقيمتها 400 ألف دولار.
وخلال تسلم الجائزة نيابة عن اليونيسف في ميانمار وشركائها، أشادت الآنسة لانا الرايكات بالشراكة الممتدة بين "أجفند" واليونيسف لأكثر من أربعة عقود.
واستحضرت دور الأمير طلال بن عبدالعزيز، المبعوث الخاص السابق لليونيسف، في دعم الاستثمار في الأطفال بوصفه أساساً للتنمية البشرية، مؤكدة استمرار هذا الإرث من خلال الجائزة.
إرث لا يتوقف عند المشروعات الفائزة
لم يقتصر الحفل على تكريم المشروعات الأربعة، بل امتد للاحتفاء بالشخصيات التي أسهمت في بناء مسيرة الجائزة وتطوير حضورها الدولي.
وشهد الحفل تكريم أعضاء لجنة جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية، تقديراً لإسهاماتهم في تطوير الجائزة وتعزيز مكانتها، مع استمرارهم أعضاءً شرفيين في مسيرتها.
ومن بين اللحظات البارزة في الحفل، جاء التكريم الخاص للدكتور ناصر بن بكر القحطاني، المدير التنفيذي السابق لبرنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند"، تقديراً لمسيرة مهنية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، أسهم خلالها في تطوير العمل المؤسسي، وتعزيز الشراكات الدولية، وتوسيع أثر المبادرات التنموية.
بدأ القحطاني رحلته مع "أجفند" عام 1993، وتولى مهام المدير التنفيذي عام 1998، ليشارك على مدى سنوات طويلة في تطوير توجهات البرنامج وتعزيز دوره في مجالات التنمية البشرية، والشمول المالي، وتمكين المرأة، وتنمية الطفولة، والتعليم، ودعم منظمات المجتمع المدني.
وامتد دوره إلى دعم نماذج تنموية تسعى إلى تحقيق أثر مستدام، من بينها بنوك الشمول المالي، ومبادرات التعليم المفتوح، والشراكات مع المؤسسات الدولية، بما يعكس توجهاً نحو بناء مؤسسات قادرة على مواصلة تقديم الخدمات وتوسيع الفرص للفئات الأكثر احتياجاً.
وفي نهاية عام 2025، انتقل القحطاني من الإدارة التنفيذية إلى دور جديد مستشاراً لرئيس مجلس إدارة "أجفند" ومبعوثاً للبرنامج، في خطوة تعكس أهمية الاستفادة من الخبرات المتراكمة وضمان استمرارية المعرفة المؤسسية.
وبذلك حمل التكريم رسالة تتجاوز الاحتفاء بمسيرة شخصية؛ فالتنمية المستدامة لا تقوم على نجاح المشروعات وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات قوية، وشراكات ممتدة، وخبرات تنتقل بين الأجيال، لتواصل ما بدأته وتبني عليه.
من الطاقة النظيفة إلى الصحة والرفاه
ومع اختتام دورة 2025، تتجه جائزة الأمير طلال الدولية للتنمية البشرية في دورتها لعام 2026 إلى الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة: "الصحة الجيدة والرفاه".
وستركز الدورة المقبلة على تكريم المشروعات التي تسهم في ضمان حياة صحية وتعزيز الرفاه للجميع في مختلف الأعمار.
ويدعو "أجفند" المنظمات والمبادرات التنموية حول العالم إلى تقديم مشروعاتها وترشيحاتها المرتبطة بهذا الهدف، حتى 15 فبراير 2027.
وبين دورة تحتفي بالطاقة النظيفة وأخرى تتجه إلى الصحة والرفاه، يستمر التركيز على الاحتياجات الأساسية للإنسان، وعلى الحلول التي يمكن أن تحدث فرقاً في حياة المجتمعات.
وفي ختام كلمته، دعا الأمير عبد العزيز بن طلال إلى عدم السماح للصراعات بإسكات صوت التعاطف، أو للمصاعب بإضعاف العزيمة، أو لحالة عدم اليقين بإعاقة بناء مستقبل أفضل للبشرية.
وهي رسالة تختصر ما جمع المشروعات الفائزة، رغم اختلاف بلدانها وتحدياتها.
فالمياه لا تستطيع انتظار نهاية الصراعات، والمزارع لا يمكنه تأجيل موسم الزراعة حتى تتحسن الظروف، والأسر لا تستطيع الاستغناء عن الطاقة إلى أن يصبح العالم أكثر استقراراً.
لهذا لا تنتظر التنمية السلام، بل يمكن أن تكون أحد الطرق المؤدية إليه.