قد يبدأ أثر تغير المناخ في حياة طفل قبل أن يعرف معنى الكلمة نفسها. مدرسة تتعطل بسبب الفيضانات، أو يوم لا يستطيع فيه اللعب خارج المنزل بسبب الحر الشديد، أو أسرة تواجه صعوبة في توفير الغذاء والمياه مع اشتداد الجفاف.
تفاصيل تبدو يومية، لكنها تكشف كيف يمكن لأزمة بيئية أن تتحول إلى تهديد مباشر لحقوق الأطفال وفرصهم في الحياة.
وفي تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" في يونيو 2026، كشفت أن جميع أطفال العالم تقريباً يتعرضون لخطر مناخي واحد على الأقل، فيما يواجه نحو 1.1 مليار طفل ثلاثة مخاطر مناخية متداخلة على الأقل، تهدد صحتهم وتعليمهم وسلامتهم.
أمام هذه الأرقام، لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية مواجهة تغير المناخ، بل امتد إلى قضية أكثر إلحاحاً: كيف نضمن ألا يتحمل الأطفال كلفة أزمة لم يشاركوا في صنعها؟
كان هذا السؤال أحد الخيوط الرئيسية في مناقشات ورشة العمل الإقليمية "الطفولة العربية 2030 وما بعدها: استثمار لمستقبل مستدام"، التي انعقدت يومي 26 و27 أكتوبر 2026 بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة، بتنظيم مشترك من جامعة الدول العربية والمجلس العربي للطفولة والتنمية وبرنامج الخليج العربي للتنمية "أجفند"
الطفولة العربية 2030.. الاستثمار الذي يبدأ بالحقوق
مع اقتراب الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة عام 2030، جمعت الورشة ممثلي الدول العربية والمجالس والآليات الوطنية المعنية بالطفولة، إلى جانب منظمات إقليمية ودولية ووكالات أممية وخبراء في التنمية والسياسات العامة.
وجاءت المناقشات لمراجعة ما تحقق من "أجندة التنمية للاستثمار في الطفولة في الوطن العربي 2021–2030"، وتحديد الفجوات والتحديات، واستشراف الأولويات التي يجب أن توجه العمل العربي لما بعد عام 2030.
وتوزعت القضايا بين التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى العمل المناخي، في تأكيد أن مستقبل الطفل لا يمكن التعامل معه من خلال ملفات منفصلة.
وفي كلمتها الافتتاحية، وضعت سعادة الأستاذة هدى البكر، الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية، حقوق الطفل في قلب معادلة الاستثمار والتنمية، مؤكدة ضرورة النظر إلى آثار السياسات والقرارات التنموية على الأطفال، وتحديد الفئات المستفيدة منها، ومن قد يتحمل أعباءها.
وهو منظور يكتسب أهمية مضاعفة أمام تغير المناخ؛ فنجاح الاستثمارات لا يُقاس فقط بحجم الإنفاق على البنية التحتية أو الخدمات، بل بقدرتها على حماية الأطفال، خصوصاً الفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر.
ويمتد هذا التوجه من الرؤية التنموية التي تأسس عليها المجلس عام 1987 بمبادرة من صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود، طيب الله ثراه، إلى جهوده الحالية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن طلال آل سعود، حفظه الله، لوضع الطفولة في صميم التنمية العربية.
من تشخيص أزمة المناخ إلى صناعة الحلول
في اليوم الثاني، انتقلت المناقشات إلى مجموعات عمل متخصصة، من بينها مجموعة "البيئة المستدامة والقدرة على مواجهة المناخ"، التي يسّرتها الدكتورة داليا وهدان، أستاذة الأنثروبولوجيا والسياسات العامة.
وبعبارة مباشرة، حددت وهدان اتجاه النقاش: "نريد أن نتحدث عن الحلول أكثر من المشكلات".
فالاعتراف بالمخاطر لم يعد كافياً، بينما تتطلب حماية الأطفال قرارات تتعلق بتمويل العمل المناخي، وتوزيع المسؤوليات بين الحكومات والمؤسسات التنموية والجهات الممولة والمجتمعات المحلية.
وطرحت وهدان كذلك ضرورة إعادة النظر في علاقة الإنسان بالطبيعة، والتحول من التعامل مع البيئة باعتبارها مورداً للاستهلاك إلى فهمها منظومة مترابطة، يؤثر تدهورها في الإنسان والكائنات الحية جميعاً.
ولا تنفصل هذه الرؤية عن تنشئة الأجيال الجديدة؛ فتعليم الأطفال احترام البيئة وفهم ترابط النظم الطبيعية يجب أن يقترن بفرص حقيقية للمشاركة في حمايتها.
العدالة المناخية.. لماذا يدفع الأطفال الفاتورة؟
أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المناقشات جاء من الدكتورة رشا شرف، أمين عام صندوق تطوير التعليم التابع لرئاسة مجلس الوزراء المصري، التي أثارت قضية التفاوت بين مسؤولية الدول عن الانبعاثات المسببة لتغير المناخ، والأضرار التي تتحملها مجتمعات أقل إسهاماً فيها.
وتساءلت: "لماذا يدفع أطفالنا فاتورة غالية جداً بسبب التلوث ونحن غير مسؤولين عن التلوث العالمي؟"

ويلامس هذا التساؤل جوهر العدالة المناخية؛ فالأطفال من أقل الفئات مسؤولية عن أسباب الأزمة، لكنهم قد يتحملون جانباً كبيراً من آثارها على صحتهم وتعليمهم وغذائهم وأمنهم.
ومن هنا، لا تقتصر العدالة المناخية على خفض الانبعاثات، بل تشمل أيضاً توفير التمويل والقدرات اللازمة لحماية المجتمعات الأكثر تعرضاً للمخاطر، وضمان ألا تؤدي الأزمات البيئية إلى تعميق الفجوات بين الأطفال أو حرمانهم من حقوقهم الأساسية.
صحة الطفل.. هل مؤسساتنا مستعدة للمناخ الجديد؟
لم تقتصر مناقشة المناخ على المجموعة البيئية، بل امتدت إلى مجموعة "الصحة الجيدة والرفاه والتغذية المحسنة"، حيث برز سؤال لا يقل أهمية: هل تمتلك الأسر والمدارس والمرافق الصحية القدرة على حماية الأطفال من المخاطر المناخية؟
وفي هذا السياق، نبهت الأستاذة هدى البكر إلى محدودية وعي بعض الأسر بالتأثيرات الصحية لتغير المناخ، وكيفية التعامل مع موجات الحر والعواصف الرملية والترابية وغيرها من الظواهر التي قد تؤثر في الأطفال.
وأشارت إلى أن التحدي لا يتعلق بوعي الأسر وحده، بل يمتد إلى جاهزية المدارس والمرافق الصحية للتعامل مع الظروف المناخية القاسية.
وهنا تنتقل الحماية من مستوى النصائح الفردية إلى مسؤولية مؤسسية أوسع: مدارس مهيأة للحر الشديد، وخدمات صحية قادرة على الاستجابة، ومياه آمنة، وخطط تضمن استمرار التعليم والرعاية وقت الأزمات.
فالاستعداد للمخاطر قبل وقوعها أكثر قدرة على حماية الأطفال من الاكتفاء بالاستجابة لآثارها بعد حدوثها.
الأطفال ليسوا متضررين فقط.. بل شركاء في الحل
في الجلسة الختامية، أعادت الأستاذة هدى البكر النقاش إلى طرف أساسي قد يغيب عن كثير من الحوارات التنموية: الأطفال أنفسهم.
وأكدت أهمية استمرار التعاون والشراكات في قضايا الطفولة، والتشاور مع الأطفال بشأن الأولويات والمخرجات المطروحة، حتى لا تقتصر عملية تحديد احتياجاتهم ومستقبلهم على رؤية الكبار وحدهم.
فقد يرى الخبراء وصناع القرار أولويات معينة، بينما يمتلك الأطفال تجارب وأسئلة واحتياجات لا تظهر بالضرورة في التقارير والمؤشرات.
وهذا ما يسعى المجلس العربي للطفولة والتنمية إلى ترجمته عملياً من خلال مبادرات تعزز مشاركة الأطفال واليافعين والشباب في القضايا البيئية.
ففي أغسطس 2026، نظم المجلس، بالتعاون مع شركائه، الحوار البيئي لليافعين والشباب في مصر "YEDx Egypt"، بمشاركة نحو 100 يافع وشاب ناقشوا أولويات البيئة والمناخ وسبل التأثير في القرارات المرتبطة بها.
كما أطلق النسخة الأولى من المخيم الصيفي "أبطال الأرض"، الذي يستهدف تنمية وعي الأطفال واليافعين ومهاراتهم البيئية، وتعزيز قدرتهم على المشاركة والقيادة.
وتعكس هذه المبادرات اتجاهاً يقوم على الانتقال من توعية الأطفال بالمشكلات إلى تمكينهم من فهمها ومناقشتها والمساهمة في إيجاد حلول لها.
ما بعد 2030.. من التعهدات إلى أثر يلمسه الطفل
تكشف مناقشات الورشة أن حماية الطفولة من تغير المناخ ليست مسؤولية قطاع البيئة وحده، بل قضية تتقاطع مع التعليم والصحة والاقتصاد والحماية الاجتماعية والسياسات العامة.
ويبقى التحدي في تحويل هذه الرؤية إلى قرارات قابلة للتنفيذ: تمويل يراعي احتياجات الأطفال، ومؤسسات أكثر استعداداً للمخاطر، وسياسات تقيس أثرها على الفئات الأكثر هشاشة، ومساحات تضمن مشاركة الأطفال في القضايا التي تحدد مستقبلهم.
ومع اقتراب عام 2030، لا يكفي قياس ما أنجزته الدول من خطط وتعهدات، بل يجب النظر إلى ما تغير بالفعل في حياة الأطفال.
هل أصبحت مدارسهم أكثر أماناً؟ هل تحسنت قدرتهم على مواجهة المخاطر؟ وهل أصبح لهم صوت في القرارات التي تمس مستقبلهم؟
تلك هي الأسئلة التي تمنح الاستثمار في الطفولة معناه الحقيقي، وتجعل الاستدامة أكثر من هدف دولي، لتصبح حقاً يلمسه كل طفل في حياته.