الاقتصاد العالمي يواصل الابتعاد عن سياسة التيسير الكمي


مجموعة من القرارات اتخذتها عدد من البنوك المركزية حول العالم الفترة الماضية، تنوعت بين رفع سعر الفائدة، وتقليل مشترياتها من السندات أو تخفيض الميزانية، لكنها جميعاً تندرج تحت فكرة واحدة وهي الاتجاه نحو التشديد النقدي وإنهاء عصر التحفيز والأموال الرخيصة.

واتجهت بنوك إنجلترا واليابان والمركزي الأوروبي والفيدرالي الأمريكي نحو التيسير النقدي في أعقاب الأزمة المالية العالمية، للتشجيع على الاستثمار وتحريك عجلة الإنتاج والنمو، لكن بعد انقضاء 10 سنوات على الأزمة، وبدء مظاهر التعافي بدأت تلوح بوادر التخلي عن تلك السياسة.

الولايات المتحدة تتخذ السبق

تعد الولايات المتحدة أولى الدول التي اتخذت إجراءات نحو تشديد السياسة النقدية، فاتخذ الاحتياطي الفيدرالي قراراً في العام الجاري برفع سعر القائدة، مع توقعات بزيادة جديدة قبل نهاية العام.

كما سبق أكبر اقتصاد في العالم أقرانه عندما أنهى مشترياته من السندات قبل 3 أعوام.

وتوسع الفيدرالي في خطوته تلك العام الجاري، عندما قرر خفض ميزانيته والمقدرة بـ 4.48 تريليون دولار بدءاً من أكتوبر الماضي.

منطقة اليورو.."خطوة نحو التغيير"

على الرغم أن منطقة اليورو لا تزال متمسكة بسعر الفائدة السلبي، فإنها بدأت تتفهم أن الوضع الثابت الذي اتبعته على مدار سنوات عليه أن يتغير.

وفي شهر أكتوبر قرر البنك المركزي الأوروبي تخفيض مشترياته من السندات بمقدار النصف إلى 30 مليار يورو بدءاً من يناير المقبل، وحتى سبتمبر 2018.

على الرغم من ذلك فإن محافظ البنك المركزي الأوروبي تعهد الإبقاء على معدلات الفائدة عند مستواها المنخفض على الرغم من المضي في تخفيض مشتريات السندات.

وفي مناسبات عديدة أظهر ماريو دراجي تأييده لسعر الفائدة المنخفض، فهو يرى أن أسعار الفائدة المتراجعة تؤدي إلى تعزيز الإصلاحات لأنها تؤدي إلى بيئة أفضل للاقتصاد الكلي.

في بريطانيا الوضع مختلف

في خطوة غير مسبوقة منذ 10 سنوات، رفع بنك إنجلترا سعر الفائدة في الشهر الجاري، بنحو 0.25% إلى 0.50%.

وتعد تلك الخطوة هي الأولى التي يتخذها بنك إنجلترا منذ عام 2007، وقت الأزمة المالية العالمية واتجاه بنوك العالم لخفض غير مسبوق لأسعار الفائدة.

ومن داخل دول أوروبا التي اتخذت تدابير التيسير الكمي، تعد بريطانيا هي أول دولة تتجه لتحريك سعر الفائدة.

واجتمع عدد من العوامل التي ساهمت في أن تتخذ المملكة المتحدة هذا القرار، أبرزها ارتفاع التضخم لأعلى مستوى منذ 2012 عند 3% في شهر سبتمبر، وتوقعات بأن تكون تجاوزت هذا المستوى في الشهر الماضي.

وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بذلك عن مستهدف البنك المركزي الـ2%، ما أجبر بنك إنجلترا على زيادة سعر الفائدة.

على الجانب الآخر، فإن خطوة رفع سعر الفائدة من غير المتوقع أن يتم تكرارها قريباً، فمحافظ بنك إنجلترا توقع رفع معدل الفائدة مرتين على مدار السنوات الثلاث القادمة، للحفاظ على معدل التضخم عند المستويات المستهدفة.

كما أن بنك إنجلترا لا يزال مُبقياً على مشتريات السندات الحكومية عند 435 مليار إسترليني.

كندا ترفع الفائدة.. واليابان تلمح

قرر البنك المركزي في كندا خلال الشهر الماضي رفع معدل الفائدة بمقدار 0.25%، في ثاني قرار من نوعه خلال 2017، وقال البنك وقتها إن قرار رفع الفائدة يعكس الثقة في آفاق نمو الاقتصاد الكندي خلال الفترة المقبل.

لكن في الوقت نفسه توقع البنك أن يتباطأ نمو الناتج الإجمالي المحلي إلى 2% في العام المقبل من 2.8% في 2017، مما قد يُشكل عائقاً أمام البنك في اتخاذ مزيد من الإجراءات نحو رفع سعر الفائدة.

وعلى الجانب الآخر، وعلى الرغم أن بنك اليابان لا يزال مُبقياً على سعر الفائدة السلبي عند - 0.1%، وكذلك برنامج شراء الأصول عند 80 تريليون ين سنوياً، فإن البنك متفائل بعدم اتخاذ إجراءات نحو مزيد من التيسير.

كما قال محافظ بنك اليابان "هاروهيكو كورودا" إن الاقتصاد يكتسب زخْماً ويزيد من احتمالات أن التضخم سيتجاوز مستوى الـ2%، ما يعزز توقعات السوق بألا يكون هناك حوافز إضافية مقبلة في مارس 2018.

وفي مايو الماضي صرح بأنه يمكن الخروج السلس من برنامج التحفيز النقدي عندما يحين الوقت المناسب.

هل سيستمر الاتجاه نحو التشديد النقدي؟

على الرغم من أن معظم المؤشرات تُشير إلى قرب انتهاء عصر التيسير النقدي، فإنه لا يزال هناك عقبات قد تقابل هذا التوجه.

ففي بريطانيا على الرغم من ارتفاع التضخم فإن معدل النمو الاقتصادي في تدهور؛ ففي الربع الثالث من العام الجاري لم يظهر تطوراً حيث استقر معدل النمو عند نفس مستويات الربع الثاني بنحو 0.4%.

كما يعاني ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا من ارتفاع قياسي في عجز الميزان التجاري، وتدهور نشاط العقارات.

أما منطقة اليورو فلا تزال تواجه عرقلة من جانب معدلات التضخم التي تعجز عن الارتفاع أو مسايرة مستهدف البنك المركزي.

فمؤشر أسعار المستهلكين في منطقة اليورو لا يزال متمسكاً بمستوى الـ1.4% عند آخر قراءة في شهر أكتوبر، بعد 1.5% في سبتمبر، ومقارنة بمستهدف للبنك المركزي عند 2%.

وفي الولايات المتحدة على الرغم من ارتفاع مستوى التضخم فإن أعضاء الفيدرالي في تشكك دائم من مواصلته للارتفاع وبالتالي زيادة سعر الفائدة.

ومن جانبه قال "نيل كاشكاري"، رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي في "مينيابوليس" إنه يفضل عدم زيادة الفائدة مجدداً حتى وصول مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لمستوى 2%، حيث لا يزال إنفاق المستهلكين عند مستوى 1%.

وفي أغسطس الماضي، صرح رئيس الفيدرالي في نيويورك "دويليام دادلي" بأنه ليس من المرجح أن يصل التضخم إلى النسبة المستهدفة من المجلس بمستوى 2% على أساس سنوي خلال عام 2017.